٩ شهور روماني مكرم ٤
## الجزء السابع
الباب اتهد ووقع على الأرض بضربة رجل قوية، وعفرة التراب مَلت الأوضة الضلمة. محمود رفع طبنجته وإيده بتترعش، وأنا ضميت نفسي في ركن الأوضة وصريخي مكتوم في صدري.. كنت مستنية أشوف وش العصابة اللي محمود اتكلم عنها، مستنية الموت.
لكن لما التراب انقشع، ظهرت قامة طول بعرض، ووراها نُور كشافات العربيات اللي قالب ليل المكان نهار. مكنش حد من العصابة.. ده كان “رفعت”.
رفعت كان واقف وفي إيده سلاحه، وعينيه بتطق شرار، وجنبه اتنين رجالة من بتوعه ومعاهم “سيد” البياع اللي كان وشه مضروب ومتبهدل.
أول ما محمود شاف رفعت، صرخ فيه بجنون: “أنت إيه اللي جابك هنا؟ اخرج برة.. دي مراتي ودي عيلتي، وأنت ملكش صالح بينا!”
رفعت متكلمش.. في لمح البصر، قرب وزق إيد محمود اللي فيها الطبنجة لفوق، وطلعت طلقة في السقف هزت الحيطان، وفي ثانية كان محمود على الأرض، ورجالة رفعت مكتفينه وواخدين منه السلاح.
رفعت ساب محمود، وجري عليا.. قعد على ركبه في الأرض، وبص في وشي بلهفة وخوف حقيقي: “أنتِ كويسة يا سمر؟ عملك حاجة؟ لِمسك الحرامي ده؟”
هزيت راسي والدموع نازلة زي المطر: “أنا كويسة.. عيالي يا حج رفعت.. عيالي في البيت حصلهم حاجة؟”
رفعت مسك كتفي وطمني بصوته القوي: “عيالك في حضن أمك وأبوكي، والبيت حواليه رجالة بشنباتها محدش يقدر يقرب منه.. الواد “سيد” شاف العربية وهي بتخطفك ولمح نمرتها، وجالي جري على البيت، ومن ساعتها وإحنا قالبين الدنيا وراكم لغاية ما جبنا طريقكم.”
التفتنا إحنا الاتنين لمحمود اللي كان مرمي على الأرض، وشه في التراب وبيضحك ضحكة هيرستيرية كلها غل ويأس. زعق وهو بيبص لرفعت: “فاكر نفسك بطل يا حج؟ فاكر إنك أنقذتها؟ أنت ودِيتها في داهية هي وعيالها! الورق اللي في الأرض ده كان طوق النجاة الوحيد.. أحمد أخويا مش هيرحم حد، والناس اللي وراه هتحرق الحارة كلها لو العيلة دي مخرجتش من السجن!”
رفعت قرب من محمود، وضربه برجليه في جنبه وقاله بكل قسوة: “أحمد أخوك خلاص اتفرم يا محمود.. والناس الكبار اللي أنت خايف منهم، أحمد مرشد عليهم في النيابة بقاله ساعتين عشان ينجد رقبته من حبل المشنقة.. القضية مبقتش سرقة دهب يا فالح، أخوك طلع غرقان في مصايب السلاح، وهو اللي لبّس أمه وأخته معاها عشان يداري على فلوسه.. يعني اللعبة اللي أنت جاي تلعبها على سمر باسم الخوف، مكنتش عشان تحمي عيالك.. أنت كنت جاي تلوق دراعها وتخوفها عشان تطلع أمك الحرامية من الوحل!”
بصيت لمحمود بصدمة زلزلت اللي باقي من مشاعري ناحيته.. الكداب! لسه بيكدب ويمثل عليا دور الضحية والخايف على العيال، عشان يمضّيني على التنازل وينقذ أمه وأخته، ويطلع هو البطل اللي رجع لعيلته هيبتها بشرفي اللي كان هيتداس للمرة التانية!
وقفت على رجلي، وبصيت لمحمود وهو متكتف في الأرض.. قربت منه، وتفيت في وشه بكل قهر الـ 9 شهور اللي فاتوا.
قلت له وصوتي ملوش رجعة: “أنت أقذر حاجة شافتها عيني يا محمود.. هانت عليك مراتك، وهان عليك شرف عيالك، وجاي في الآخر تتاجر بدمهم عشان تطلع اللي سرقوني؟ واللّٰه ما هتنازل.. واللّٰه لأسيب أمك وأختك وأخوك يعفنوا في السجن، وأنت هتحصلهم بتهمة الخطف والشروع في القتل.”
محمود بدأ يصرخ ويبكي زي الحريم: “بلاش يا سمر.. عشان خاطر العيال بلاش اتحبس.. هضيع.. العيال هيتعايروا بأبوهم!”
رفعت شاور لرجالة وقالهم: “شيلوا الكلب ده، وسلموه لمركز الشرطة اللي على أول الطريق.. البلاغ متقدم بـ خطف سمر، وهو دلوقتي متلبس.”
شالوا محمود وخرجوا بيه، والأوضة فضيت عليا أنا ورفعت. بصيت لرفعت وقلت له بكسرة: “أنا بشكرك يا حج رفعت.. المرة التانية بتنقذني وتنقذ شرفي.. بس أنا لسه عند قراري، أنا مش هقدر اتجوزك.. مش هقدر أدخل في صراعات والمحاكم تاخد مني عيالي.”
رفعت قرب مني، وبص في عيني بنظرة كلها حنان وأصل، وقال كلام غير كل الحسابات: “ومين قالك إن عيالك هيتاخدوا منك يا سمر؟ أنا سألت مستشار كبير امبارح، وقالي إن الحضانة لو سقطت عنك بسبب الجواز، بتتنقل لأمك أنتِ.. يعني عيالك هيفضلوا في نفس البيت اللي أنتِ عايشة فيه معايا، لأن شقتي الجديدة في نفس بيت أبوكي.. أنا مش عاوز أحرمك من ضناكي، أنا عاوز أكون السند اللي يخليكي تقفي قدام المحاكم وأنتِ حاطة بطنِك بطيخة صيفي.”
الكلام نزل على قلبي زي المطر اللي طفى نار قايدة بقالها شهور. رفعت مكنش مجرد عريس عاوز يتجوز.. رفعت كان العوض اللي ربنا بعته بعد كل العذاب ده.
رجعنا الحارة.. الحارة كلها كانت واقفة مستنيانا. أول ما نزلت من عربية رفعت، أمي وأبويا جريوا عليا وأخدوني في حضنهم والعيال بيصرخوا من الفرحة. وفي وسط اللمة دي، رفعت وقف وقال بعلو صوته قدام الناس كلها: “يا أهل الحتة.. كاتب كتابي على ست البنات “سمر” الأسبوع الجاي.. واللّي عنده كلمة يقف ويقولها في وشي!”
الكل سكت، والزغاريد ملأت المكان.. لكن وسط الفرحة دي كلها، عيني جت على الشارع من بعيد.. شفت شخص واقف في الضلمة، باصص علينا بنظرات كلها شر، ومسك تليفونه وقال كلمتين وهو بيبصلي: “السبع مات.. بس الإخوات لسه منتهوش يا سمر.. والفرح ده مش هيتم.”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الثامن والأخير
الشخص اللي كان واقف في الضلمة ومسك الموبايل مكنش غريب.. ده كان “خالد”، ابن عم محمود وأحمد. الراجل اللي طول عمره عايش في دارهم، وبياكل من خير الصفقات المشبوهة اللي أحمد كان بيديرها. عيلة محمود كانت عاملة زي شجرة الصبّار، كل ما تقطع منها فرع، الشوك اللي باقي يحاول يِجرحك.
خالد قفل الموبايل واختفى في زقاق الحارة بسرعة كأنه شبح، بس كلمته فضلت ترن في ودني: “الفرح ده مش هيتم.”
بصيت لرفعت وهو واقف وسط الناس رافع راسه، وحسيت إن الفرحة اللي داخلة عليا متفصلة من توب الخوف. قربت منه وهمست له: “الحج رفعت.. خالد ابن عمهم كان واقف هناك، وبيهدد.”
رفعت طبطب على إيدي وقال بنبرة هادية بس تخوف بلد: “خالد ده فرفور يا سمر، عايش على قفا إخواته ولما الإخوات ات حبسوا بقى زي الفرخة الدايخة. سيبيه يِجعجع.. الرصاصة اللي متصيبش بدوش، وأنا عامل حسابي لكل حاجة.”
مر الأسبوع.. الأيام كانت بتجري وأنا حاسة إني في حلم. عيلة محمود كلها بقت ورا القضبان؛ حماتي وشيماء وأحمد بتهم السرقة والسلاح، ومحمود انضم ليهم بتهمة خطف وشروع في قتل، والنيابة رفضت كل المحاولات لإخلاء سبيله بعد ما رجالة رفعت شهدوا عليه وضبطوا معاه الطبنجة غير المرخصة.
وجيه يوم الفرح.. بيت أهلي اللي كان ضلمة ومكسور بقاله 9 شهور، اتقلب لخلية نحل. الزغاريد رجعت تدق في الحيطان، وأمي كانت بتعيط من الفرحة وهي بتلبسني الفستان الأبيض البسيط اللي رفعت صمم يشتريه من أكبر محل في المحافظة.
الصالون اتملى بالمعازيم، والمأذون قعد في النص وجنبه أبويا ورفعت. قبل ما المأذون يفتح الدفتر، رفعت طلع ورقة من جيبه وحطها قدام المأذون وقال بصوت جهوري سَمّع الكل:
“اكتب يا مولانا في الشروط.. أولاً: الحضانة بتاعة عيال سمر، (مروان وجنى)، تتنقل لجدتهم أم سمر قانوناً، وأنا متكفل بمصاريفهم وأكلهم وشربهم وتعليمهم لغاية ما يقفوا على رجليهم.. وثانياً: شقتي الجديدة اللي في الدور الثالث في بيت حمايا، هتنكتب باسم سمر وعيالها من بكرة الصبح، ومهرها مؤجل قدره مية ألف جنيه.. حقها اللي اتسرق هيرجعلها مضاعف برضايا.”
الناس كلها في الصالة برقت عينيها، وأبويا دمعته نزلت وقام حب على راس رفعت وقاله: “أنت راجل يا حج رفعت، وبنت الأصول ميعوضهاش إلا ابن الأصول.”
وفي اللحظة اللي المأذون قال فيها: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”.. والزغاريد هزت البيت، فجأة النور انقطع عن البيت كله، والشارع بقى كُحل!
الصريخ اشتغل في الصالة من النسوان، وفجأة سمعنا صوت كسر إزاز تحت في مدخل البيت، وصوت خالد ابن عمهم وهو بيصرخ في الميكروفون بتاع جامع الحتة أو شغال بأعلى صوته في الشارع: “يا رفعت! يا سمر! واللّٰه ما هتهنوا.. البيت ده هيولع باللي فيه الليلة!”
رفعت وقف في ثانية، سحب مسدسه من جنبه وقال لأبويا: “اقفل الباب ده بالمفتاح يا عمي ومتفتحش لحد واقعد جنب النسوان.”
خرج رفعت ورجالته على السلم، وأنا قلبي كان هيقف من الرعب. جريت على الشباك الموارب وبصيت على الشارع.. خالد ومعه تلاتة بلطجية ماسكين زجاجات مولوتوف وقايدين فيها النار، وعاوزين يرموها على مدخل البيت عشان يرفعوا راس عيلتهم اللي اتهانت في المحاكم.
خالد رفع إيده ومسك زجاجة المولوتوف وكان لسه هيرميها على الباب، بس فجأة.. صوت سرينة البوليس زلزلت الشارع، وبوكسات الشرطة ظهرت من أول الزقاق وآخره!
رفعت ظهر على باب المدخل، وبص لخالد ببرود وقال: “أنت فاكرني نايم على وداني يا خالد؟ أنا مراقب تليفونك ومراقب حركاتك من يوم ما هددت سمر، والمباحث كانت مستنياك تتلبس بالجريمة عشان تحصل إخواتك.. ارمي اللي في إيدك يا شاطر.”
خالد والبلطجية اللي معاه اترموا في الأرض والشرطة كلبشتهم في ثواني، والمنطقة كلها صقفت لرفعت اللي حمى البيوت من حريقة كانت هتاكل الأخضر واليابس.
النور رجع، ودخل رفعت الشقة، فستاني الأبيض كان عليه شوية تراب من الخوف، بس أول ما شفت وشه بيضحك، حسيت إن الدنيا صِفيت خلاص. قرب مني، ومسح دمعة كانت نازلة على خدي وقال: “خلاص يا سمر.. الحكاية خلصت، والشوك كله اتشال من طريقنا.”
بصيت لعيالي اللي جريوا على حضن رفعت وبقوا يقولوا له “يا عمو رفعت”، وبصيت لأبويا وأمي اللي وشهم رجع منور بعد كابوس التسع شهور.
الظلم ليله طويل.. بس الصبح بتاعه لما بيطلع، بيحرق كل اللي فات. سمر المكسورة اللي اتطردت بعبايتها في نص الليل وتبلوا عليها بالسرقة، رجعت الحارة وهي ملكة، بحمايتها وبشرفها وبجوزها اللي بـ مية راجل.
أما بيت العيلة الظالم.. فبابه اتقفل، والكلابشات في إيدين أصحابه، وكل واحد فيهم بيشرب من نفس الكأس اللي سقوني منه.. ويمهل ولا يهمل.
### تمّت بحمد الله
الحكمة التي نخرج بها من رواية “حكايات سمر” تتلخص في سنن إلهية وواقعية لا تتغير:
* **العدالة الإلهية (يمهل ولا يهمل):**
الظلم قد يعلو صوته لفترة، والباطل قد يبدو منتصراً بالخديعة والمكائد (كما حدث لسمر طوال 9 أشهر)، لكن الحق لا بد أن يظهر. عائلة محمود التي خططت لسرقة شقا عمره وتلفيق التهمة لسمر، انتهى بها المطاف خلف القضبان، بل وأكل بعضهم بعضاً عندما اختلفوا على الغنيمة.
* **العِوض الرباني لأولاد الأصول:**
عندما يشتد الكرب وتُسد الأبواب، يرسل الله العوض من حيث لا نحتسب. “رفعت” لم يكن مجرد زوج، بل كان الأمان والسند الذي سخرّه الله ليعيد لسمر كرامتها، ويحمي أطفالها، ويعوض صبرها وصبر أهلها الغلابة.
* **الأمومة تضحية لا مساومة فيها:**
موقف سمر عندما رفضت الزواج في البداية خوفاً من خسارة حضانة أطفالها يثبت أن الأم الحقيقية تضع مصلحة أولادها فوق راحتها الشخصية وفوق رغبتها في التخلص من الفقر. هذه التضحية هي التي بارك الله فيها وجعل رفعت يتمسك بها أكثر ويجد المخرج القانوني لحماية الأطفال.
* **حبل الكذب قصير والشر يرتد على صاحبه:**
محمود الذي هان عليه لحمه وعرضه، وصَدّق الباطل لمجرد إرضاء أهله والتخلص من حقوق زوجته، دارت عليه الأيام ليعود من غربته مكسوراً، منقاداً وراء عصابات وسرقات، ليخسر في النهاية زوجته، وأولاده، وحريته، وعائلته بالكامل.
* **أصالة الأهل هي السند الحقيقي:**
رغم الفقر وضيق الحال، ظل بيت أهل سمر هو الملاذ الآمن والستر الذي استقبلها في محنتها دون أن يتخلى عنها، ليكون دليلاً على أن البيوت الأصيلة تُعرف في وقت الشدائد لا الرخاء.