حقن مجهري مني السيد ١

كانت تقف في منتصف الصالة، عباءتها السوداء مبللة من أطرافها بقطرات المطر التي بالخارج، وفي يدها حقيبة بلاستيكية سوداء تفوح منها رائحة أعشاب . كادت ركبتيا أن لولا أنني ألقيت بثقلي على “أمي؟!” بصوت تحركت هي خطوة نحو ، وجهها الذي كان قبل أيام يبدو الآن شاحباً كالرماد، وعيناها زائغتان تنظران إلى الأرض وإلى قطرات التي بدأت تبقع تحت قدمي. لم تنطق بحرف، بل ظلت تبتلع ريقها بصعوبة، ويدها وهي تضغط على الحقيبة السوداء.
في تلك اللحظة بالذات، باب المطبخ فجأة، وخرج منه زوجي يحمل كوباً من وفي يده الأخرى علبة الدواء الخاصة بالتثبيت. كاد الكوب أن من يده لما رآني واقفة يغطيني، ركض نحوي وذراعه تمتد لتمسك بي قبل أن . “انتِ صحيتي ليه يا حبيبتي؟! تعالي اقعدي بس بسرعة!” بلهفة وهو يحاول سندي.
نظرت إليه بعينين تائهتين بينه وبين أمي واقفة كالصنموقلت بنبرة تكاد لا تُسمع: “أنا يا حسام.. الحمل بيروح.. وأمي هنا ليه؟ أنت اللي فتحتلها الباب؟”
حسام طأطأ رأسه للأسفل في لحظة صمت ، لم يستطع النظر في عيني ، ثم قال بصوت خفيض الخجل: “والدتك كلمتني من ساعة يا ندى.. كانت بتبكي على التليفون، قالتلي إنها مش قادرة تنام من يوم ما مشيتوا، وإنها عارفة إنك متأخرة في تحاليل التثبيت وجايبة معاها تركيبة أعشاب وزيت قراءة من شيخ عشان ينقذوا الحمل.. أنا فتحتلها عشان كنت خايف عليكي، وكنت داخل أعملك المشروب اللي قالت عليه قبل ما أصحيكي..”
تجمعت الدموع في عيني، لكنها لم تكن نظرت للحقيبة، ثم نظرت إلى وجهها. تذكرت بناتي وهما يرتجفان في ركن “شيخ؟ وأعشاب؟” استجمعت ما بقي من أنفاسي وقلت لها بصوت هادئ كالحجر: “انتِ جاية تثبتي الحمل دلوقتي يا أمي؟ ولا جاية تكملي اللي بدأتيه عشان ترتاحي من الهم خالص؟” : “انتِ بتقولي إيه يا ندى؟! أمك إنها جاية ؟”
“ندى.. متعمليش فيا كده.. أنا أمك اللي شالتك تلت شهور..”، قالتها وهي تمد يدها لتمسك بكفي.
سحبت يدي بقوة وجسدي يرتجف: “انتِ شيلتيني عشان تذليني.. شيلتيني وأنا بدفع التمن كل يوم من كرامتي وكرامة جوزي وعيالي.. ياريتني ما قعدت عندك يوم واحد، ياريتني سبت الحمل يضيع ولا إن عيالي يشوفوا الخوف ده في عيونك.”
