حقن مجهري مني السيد ١

 

وصلت سيارة الإسعاف بعد دقائق كانت كأنها أعوام. حملني المسعفون على النقالة تحت نظرات حسام وبكاء بناتي اللاتي استيقظن على الصوت وخرجن من ونشيجهم يملا المكان. أمي حاولت أن تتبعنا إلى المسعفين، لكنني أغمضت عيني ورفضت النظر إليها، وقلت لحسام بصوت قاطع: “لو نزلت معانا الشارع.. أنا مش هدخل المستشفى.”

 

توقفت أمي عند عتبة الباب، واقفة في ظلام الممر، بينما أُغلق باب الأسانسير ليفصل بيني وبينها ربما إلى الأبد.

 

في المستشفى، كانت غرفة الطوارئ تضج بالأطباء والممرضات. الستائر البيضاء، رائحة المطهرات الحادة، وصوت أجهزة النبض كان يعزف لحناً جنائزياً في أذني. كان الطبيب المتابع لعملية الحقن المجهري قد وصل ، وجهه كان وهو يفحص السونار ويطلب أكياس فوراً.

 

“النزيف شديد يا ندى.. فيه انفصال جزئي في كيس من الأجنة، وضغطك واطى جداً..” قالها وهو ينظر إلى الشاشة بتركيز شديد.

 

دمعت عيناي وأنا أنظر إلى السقف الأبيض: “دكتور.. الأجنة لسة عايشة؟ قولي الحقيقة..”

 

أخذ نفساً عميقاً ثم قال: “واحد من الأجنة للأسف نبضه متوقف.. لكن التاني لسة بيصارع، والنقاط الحيوية شغال فيها.. بس بشرط، محتاجة راحة تامة وممنوع الحركة نهائياً، وأهم من كل ده.. النفسية.. الانهيار العصبي اللي انتِ فيه ده هو اللي فجر الشعيرات الدموية.”

 

أغمضت عيني واستسلمت للمحاليل التي بدأت تسري في عروقي. طفل رحل قبل أن يرى النور، وطفل آخر يمسك بأطراف الحياة داخل رحمي المجهد. في تلك اللحظات، بين الحياة والموت، بين الفقد والأمل، شعرت بوضوح تام لم أعهده من قبل. الخوف الذي كان يتملكني من زعل أمي، والتضحية بكرامتي وكرامة بنياتي لإرضائها، كل هذا تهاوى وتلاشى.

 

مرت 48 ساعة في غرفة الرعاية المركزة قبل أن يتم نقلي إلى غرفة عادية. حسام كان يلس إلى جواري على الكرسي، وجهه شاحب وعيناه محاطتان بهالات سوداء من السهر والقلق. البنات كنّ يجلسن في زاوية الغرفة يرسمون على أوراق صغيرة بهدوء تام، كعادتهم دائماً.. طفلتان بريئتان لم تفعلا شيئاً في الحياة سوى أنهما ولدتا لأم عاجزة عن حمايتهما من قسوة أقرب الناس.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *