عزومة اهلي اماني السيد٢

الحزء الثالث

عدت الليلة عليا وأنا صاحية مكنتش قادرة أغمض عيني، وصوت ضربات قلبي كان زي الطبل في ودني. كل ما أبص لسرير ولادي وهم نايمين مش عارفين المصيبة اللي بتحصل حواليهم، قلبي يتقطع. بهجت قفل كل السكك في وشي، حتى الجيران لما نزلت الصبح أشتري عيش، لقيتهم بيبصوا عليا وبيتوشوشوا، عرفت إن حماتي منجمتش، ولمت الجيران وحكت لهم السيناريو اللي هي ألفته، وطلعتني الست المفترية اللي بتسرق شقى جوزها المغترب عشان تأكل أهلها.

الدم غلي في عروقي، ومبقاش ينفع أفضل قاعدة مستسلمة ومستنية اليمين يجيلي في التليفون. اتصلت بأختي الكبيرة “هند” وحكيت لها وأنا بنهار. هند صرخت وقالت:

ـ “يا نهار مش فايت! تعمل في بابا وماما كده؟ بابا من ساعة ما جه وهو ضغطه عالي ورافض يتكلم مع حد ولا ياكل لقمة من كتر الكسوف! أنتِ لازم تتصرفي يا نادية، بهجت لازم يعرف الحقيقة!”

قولتلها بقوة طلعت من وسط القهر:

ـ “بهجت عاملي بلوك يا هند، بس أنا مش هسكت، أنا هثبت براءتي ورأسي هترجع فوق، وحق بابا هجيبه.”

افتكرت حاجة كانت تايهة عن بالي من كتر الصدمة.. المكالمة! بهجت لما كلمني وقالي اعملي العزومة واطبخي بط ومحاشي، كان مكلمني “فيديو” على الواتساب، والبرنامج اللي أنا منزلاه على موبايلي عشان أسجل بيه المحاضرات والشغل كان شغال وبيمسح الشاشة، يعني المكالمة متسجلة صوت وصورة بصوته وهو بيقولي: “يا نادية خدي من الفلوس اللي محولها واعملي لقمة تشرف لأهلِك، دول أهلي برضه”.

دورت في الموبايل زي المجنونة، إيدي كانت بترتعش لدرجة إن الموبايل وقع مني مرتين، ولما لقيت الملف وفتحته وسَمِعت صوته، عيطت من الفرحة.. البراءة معايا! بس إزاي هتوصل له وهو قفل كل السكك؟

لبست عبايتي وطرحتي، ونزلت شقة حماتي. خبطت بكل قوتي لحد ما الباب انفتح، ولقتها واقفة بتبصلي بـاحتقار وبتقول:

ـ “خير يا هانم؟ جاية تسلمي المفاتيح وتلمي عزالك ولا إيه؟”

زقيت الباب ودخلت الصالة، ولقيت سِلفي حسين قاعد بيشرب الشاي ومراته “سحر” واقفة بتبصلي بنظرة شماتة. قولت لحماتي وصوتي قوي وواضح:

ـ “أنا مش جاية أسلم مفاتيح، أنا جاية أوريكِ الحقيقة اللي أنتِ عارفة إنك مخبياها.”

طلعت الموبايل وعلّيت الصوت على الآخر، وشغلت الفيديو.. صوت بهجت ملأ الصالة وهو بيقول: *”يا نادية، اعملي عزومة حلوة لأبوكِ وأمك، هاتي بط واعملي محاشي، وأنا محولك المصاريف دي مخصوص عشانهم، نفسي ترفعي راسي قدامهم يا حبيبتي”*.

حسين وقف مذهول، وبص لأمه وقال:

ـ “أنتِ مش قولتيلي يا أمي إنه ميعرفش حاجة، وإنها عاملاها من وراه؟!”

حماتي وشها جاب مية لون، وارتبكت للحظات، بس الغل والـكبر عماها، راحت مبرومة وصرخت في وشي:

ـ “وإيه يعني؟ يكونش ضاحكة عليه ومخلية يوافق بالعافية؟ وبعدين لو هو وافق، أنا موافقتش! ابني يتغرب ويطفح الدم عشان يرمي الفلوس دي كلها في بطن أهلك؟”

بصيت لحسين وقولتله:

ـ “سمعت يا أبو أحمد؟ سمعت إن أمك كانت عارفة ونازلة تتبلى عليا وتكسر أبويا الراجل العجوز اللي عمره ما دخل بيتها غير بالواجب؟ أنا ديلوقتي هبعت الفيديو ده ليك على الواتساب، وأنت بأمانتك ورجولتك هتبعته لبهجت، عشان يعرف أمه عملت إيه في غيابه، ولو مبعتوش، وحق ولادي هفضحكم بالفيديو ده في العمارة كلها وأعرف الناس مين الكداب ومين المظلوم.”

حسين راسه نزلت في الأرض وقال:

ـ “هاتيه يا أم عيالنا.. هاتيه وأنا هبعتهوله حالا، وحقك عليّا، أنا مكنتش أعرف إن أمي مرتبة كل ده.”

حماتي صرخت في حسين:

ـ “بتكسر كلامي يا حسين؟ بـتقف مع الغريبة ضد أمك؟”

حسين رد عليها بقلة حيلة:

ـ “يا أمي دي شهادة حق، وأخويا ظالم مراته وخرب بيته على عمى بسبب الفيديو اللي أنتِ بعتيه.”

بعت الفيديو لحسين، وطلعت شقتي وأنا حاسة إن جزء من كرامتي رجع، بس النار اللي جوايا مبردتش. قعدت مستنية، ربع ساعة، نص ساعة، وساعة.. وفجأة، لقيت التليفون بيرن.. الرنتين ورا بعض، والبلوك اتفك.

شاشة الموبايل كانت منورة باسم “جوزي بهجت”.. فتحت الخط وأنا حابسة أنفاسي، وجالي صوته مكسور، ملهوف، ودموعه باينة في نبرة صوته وهو بيقول:

ـ “نادية.. أنا.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا أسف يا حبيبتي، أنا حقك عليا، أمي عمت عيني بالفيديو اللي بعتته…”

قاطعته بقسوة وجمود عمري ما كلمته بيه قبل كده:

ـ “متعتذرش ليا يا بهجت.. الاعتذار ده مش بتاعي.”

الجزء الرابع

سكت بهجت لثواني، وصوت أنفاسه المكتومة كان باين فيها الصدمة من نبرتي الجافة. قالي بصوت مرتعش:

ـ “أمال اعتذر لمين يا نادية؟ أنا عارف إن الصدمة كانت شديدة عليكي، بس أنا هناك لوحدي، ونار الغربة مأثرة عليا، ولما شوفت فيديو أمي والناس قاعدة بتاكل وأنا هنا طافح الدم، عقلي طار ومبقتش شايف قدامي.. سامحيني يا بنت الأصول.”

رديت عليه بضحكة كلها وجع وقهر:

ـ “أسامحك؟ أسامحك على إيه ولا إيه؟ على البلوك اللي عملتهولي وكأنني حشرة ملهاش حق تدافع عن نفسها؟ ولا على كلامك السم اللي قولت فيه إن أهلي شبعوا من خيرك؟ أهلي يا بهجت؟ أبويا اللي جابلي جهاز يتحدث بيه البلد كلها، وأمي اللي كانت بتجيبلك الزيارة لحد عندك وأنت لسه بتبدأ حياتك؟ الاعتذار ده تروح تقوله لأبويا اللي وشه جاب مية لون وهو واقف يتطرد من بيتي، تروح تقوله لأمي اللي نزلت من هنا دموعها مغرقة طرحتها بسبب أمك!”

صوته بدأ يعلو بالبكاء وقال:

ـ “والله هكلم عمي وأبوس راسه واعتذر له، بس أنتِ هدي اللعب شوية، دي أمي برضه يا نادية، مهما عملت مش هقدر أقاطعها أو أعمل معاها مشكلة، هي ست كبيرة ودماغها على قدها وفهمت الموضوع غلط.”

لما قال “فهمت غلط”، حسيت إن السكاكين رجعت تقطع فيا تاني. زعقت فيه بكل صوتي:

ـ “فهمت غلط؟! أمك كانت سامعاك وأنت بتكلمني فيديو وعارفة إنك أنت اللي قايلي! أمك دخلت عليا بكاميرا الموبايل وهي ناوية تخرب بيتي وبتلقح بكلام زي السم، ولما نزلت ليها وسمعتها صوتك، قالت بكل بجاحة (وإيه يعني؟ أنا موافقتش)! دي مش فهمت غلط يا بهجت، دي بتكرهني وناويةالي على خراب البيت، وأنت بضعفك ده بتساعدها!”

بهجت حاول يلم الموضوع وقالي:

ـ “خلاص يا نادية، الموضوع عدى والبراءة ظهرت، وأنا كلمت حسين وخليته يرجعلك المصاريف، وقولت لأمي تسيبك في حالك. اقفلي القصة دي ديلوقتي وركزي في بيتك وعيالك.”

قالي “اقفلي القصة”، وكأن كرامة أهلي وكسرتهم حاجة ينفع تتنسى بكلمتين في التليفون. قولتله بجمود يخوف:

ـ “القصة مفيهاش قفل يا بهجت.. المصاريف بتاعتك اللي منعت تجيب بيها لقمة لعيالي، هتوصلني تالت ومتلت عشان أصرف على ولادك، إنما أنا؟ أنا لميت هدومي وهدوم عيالي، وماشية رايحة لبيت أبويا.”

صرخ في التليفون بفزع:

ـ “تروحي فين؟! بيتك وعيالك متسيبيهمش! لو خرجتي برا البيت ده يا نادية، هتبقى بتكبري الموضوع وبتعاندي معايا ومع أمي، وأنا مش هقبل بكده!”

رديت عليه بكلمة واحدة: “أعلى ما في خيلك وخيل أمك اركبوه”، وقفلت السكة في وشه، وعملتله أنا المرة دي “بلوك” عشان يدوق نفس الكأس.

لميت الشنط وأنا ببكي، وولادي واقفين بيبصولي بخوف ومش فاهمين إحنا رايحين فين وسايبين بيتنا ليه في نص اليوم. نزلت على السلم وأنا جارة الشنط في إيدي، ولقيت حماتي واقفة على باب شقتها، لما شافت الشنط، عيونها لمعت بشر وفرحة، وقالت بصوت شماتة هز العمارة:

ـ “مع السلامة يا خربابة البيوت! المركب اللي تودي! مفكرة لما تلوي دراع ابني بالفيديو ده هتمشي كلامك علينا؟ اهي الشنط اهي، ويارب متتبليش علينا وتيجي راجعة تاني!”

مرديتش عليها ولا بصيت في وشها، نزلت وأنا راسي فوق، وأول ما طلعت للشارع وخدت تاكسي، انهرت من العياط وحضنت عيالي.

وصلت بيت أبويا، وأول ما الباب انفتح وشوفت بابا قاعد في الصالة، وضهره محني، وعيونه فيها كسرة عمري ما شوفتها في الراجل اللي كان هيبة وسط الناس، رميت نفسي في حضنه وبكيت بكاء مرير. بابا طبطب عليا وهو بيقول بصوت ضعيف يقطع القلب: “نورتي بيتك يا بنتي.. طول ما أنا عايش، مفيش كلب يقدر يكسر عينك ولا يلقح عليكي بكلمة”.

لكن بهجت مكنش ناوي يسكت، وحماتي بعد ما طردتني من بيتي، بدأت تلعب اللعبة التقيلة اللي تخلي بهجت ياخد القرار الأخطر.. ومستنتش كتير، لأن بالليل لقيت تليفون بابا بيرن برقم غريب، ولما رد، كان المتحدث شخص مكنّاش نتوقع أبدًا إنه يدخل في السالفة دي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *