جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ٣

جلس على الكنبة في الصالة، وناداني بصوت هادئ: “هبة.. ممكن تقعدي دقيقة؟”
خرجت من المطبخ وقعدت على الكرسي المقابل، بينما خرجت الحاجة حكمت ببطء وجلست في الزاوية، وجاءت فريدة ونور وتاليا ليجلسن بجوار والدهن.
فتح محمود الظرف وأخرج منه مخالصة مالية رسمية مختومة من المحامي ومن صاحب شركة مواد البناء، تفيد بسداد كامل المستحقات والديون وإلغاء كافة الدعاوى المرفوعة ضده. وضع الورقة على الطاولة أمامي، ثم أخرج ورقة أخرى مطبوعة بختم الشهر العقاري.
قال محمود بصوت خافت ونبرة مشحونة بالصدق: “دي المخالصة النهائية يا هبة.. سددت أخر جنيه كان عليّ للشركات وللمقاولين، ومعدش عليّ أي دين لأي مخلوق بره البيت ده. والورقة الثانية دي.. تنازل رسمي ومسجل في الشهر العقاري عن نصيبي في الشقة اللي فوق، وبقت مكتوبة باسم البنات الثلاثة: فريدة ونور وتاليا، ملكية نهائية مفيش حد يقدر ينازعهم فيها طول العمر.”
رفعت عيني النظر في الورقة، ثم نظرت إليه باستغراب متسائلة: “ليه عملت كده يا محمود؟ الشقة دي كانت حلمك اللي ضيعت عشانها كتير.”
رد محمود بدموع تتجمهر في عينيه، ونظر إلى بناته بقلب محروق من الندم: “الحلم الحقيقي كان تحت رجلي وأنا مش شايفه يا هبة. الشقة اللي فوق دي كانت رمز لغبائي وطمعي، وكانت هتكون سبب في خراب بيتي. أنتم السند الحقيقي، والبنات دول هما اللي هيشيلوا اسمي بجد لما أكون مش موجود. التنازل ده مش عشان أشتري خاطرك ولا عشان تسحبي وصل الأمانة.. التنازل ده حقهم القانوني الشرعي عشان يفضلوا عايشين مرفوعين الرأس حتى لو أنا جرى لي حاجة.”
نظرت الحاجة حكمت إلى ابنها، ثم مسحت دموعها بطرف شالها وقالت بصوت مكسور: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا هبة يا بنت أصول. أنا اللي عمت عين ابني، وأنا اللي حسسته إن البنات قلة بخت وتعب، وما عرفتش إن ربنا رزقنا بيكي وبيهم عشان تكونوا ستر البيت ونجاته. لو فيه حد لازم يترجم العفو والصفح.. فهو أنتِ.”
تنفس البيت كله الصدمة والراحة في تلك اللحظة. رفعت فريدة رأسها وبصت لأبوها وقالت: “يعني الشقة اللي فوق بقت بتاعتنا يا بابا؟ ينفع نعمل فيها مكتبة ونذاكر فيها إحنا وأخواتي؟”
احتضن محمود فريدة وقبل رأسها بحرارة وقال: “الشقة بقت بتاعتكم تعملوا فيها اللي أنتم عايزينه يا قلب بابا.. مفيش حد يقدر يضايقكم أو ياخد حقكم بعد النهاردة.”
