جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ٣

أومأ محمود رأسه بالرضا التام وقال: “عندك حق يا هبة.. أنا موافق على كل كلمة تقوليها، ويكفيني إن البيت مقفول علينا بخير وسلام.”

خرجتُ إلى الشرفة في ذلك المساء، أراقب هدوء الحارة وأستنشق نسيم الليل العليل. شعرتُ براحة عميقة تنبع من داخلي؛ لقد أدركتُ أن القوة لا تعني الصراخ أو الخراب، بل تعني القدرة على إدارة الأزمات بذكاء، وحماية الحقوق بالقانون، والوقوف بثبات في وجه الطمع والجحود. وبغض النظر عما ستحمله الأيام القادمة، فإنني أصبحت واثقة تماماً أن بيتي وبناتي في أمان، وأن كرامتي التي حاولت أوهامهم مساسها قد عادت مكللة بالنصر والرفعة.

تغير مجرى الحياة في البيت بشكل كامل خلال الشهرين التاليين، وأصبح الهدوء السائد ليس هدوء ما قبل العاصفة، بل هدوء النفوس التي أدركت حجماً حقيقياً لأخطائها وعواقب أفعالها. لم يعد محمود ذلك الرجل الذي ينساق خلف الشعارات الزائفة، بل تحول إلى إنسان آخر يسابق الزمن ليعيد بناء ما هدمه بغروره وطمعه.

كان يخرج مع أذان الفجر، يسعى في مواقع البناء والتشطيبات، يعمل بيديه وعقله ليجمع القسط الأخير المتبقي من ديون مواد البناء. لم يعد يأنف من أي عمل، ولا يتذمر من التعب؛ كان كل عرق يسقط من جبينه بمثابة كفارة عن المهانة التي ألحقها ببيته وبناته. وفي نهاية كل أسبوع، كان يضع المبلغ المتفق عليه لمصروف البيت على الطاولة بكل احترام، دون أن ينقص منه جنيهاً واحداً، ودون أن يجرؤ على السؤال عن إيجار الشقة العلوي الذي يستقر بانتظام في حساب البنات البنكي.

أما الحاجة حكمت، فقد انكسرت نبرة الاستعلاء في صوتها تماماً. أصبحت تجلس أغلب أوقاتها في صمت، تصلي وتدعو لبنات ابنها. كانت تنظر إليّ ونظراتها مليئة بتخليط عجيب من الخجل والامتنان؛ الخجل من المخطط الفاشل الذي قادت ابنها إليه، والامتنان لأنني لم أطردها أو أستغل القضايا لأرمي ابنها في السجن وأشرد العائلة. أصبحت هي من تطبخ للبنات وتساعدهن في ترتيب الغرف، تحاول بكل طريقة ممكنة أن تكسب رضاهن ورضاي.

وفي أحد أيام الجمعة، وقبل أسبوع واحد من الموعد المحدد للجلسة النهائية في المحكمة، دخل محمود البيت وهو يحمل في يده ظرفاً أصفر كبيراً. كان وجهه مجهداً للغاية، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق لم أره فيه منذ سنوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *