جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ٣

في صباح اليوم التالي، خرج محمود من البيت بخطوات ثقيلة وجهه يكسوه الهم والتردد، متوجهاً إلى ساحة المحكمة لمواجهة قضايا التجار. كانت الشمس حارقة، ورطوبة الصباح تتسلل إلى صدره فتزيد من ضيقه. ولأول مرة منذ سبع سنين، يمشى في الشارع وحيداً بغير سند، بلا هيبة الرجل المقتدر التي طالما حاول الادعاء بها، وبلا رضا الزوجة التي صانته طويلاً، ولا حتى بدعم أمه التي اختفت داخل غرفتها وانكسرت شوكتها تماماً بعد أن رأت نتائج حصادها المر.

في المحكمة، كان الموقف مهيباً والممرات مزدحمة بالخصوم والمحامين. وقف محمود عند زاوية القاعة ينتظر قضيته والأرق ينهك جسده. وعندما نوديت قضيته، تقدم وهو يبلع ريقه برعب من أن يجد نفسه خلف القضبان في أي لحظة. لكن المحامي الموكل عني كان حاضراً في الموعد تماماً. تقدم أمام القاضي بثبات، وقدم مستندات رسمية تُثبت البدء في تسوية الديون عبر الموارد المتاحة من حصة الإيجار والشبكة المردودة، ومشيراً إلى إيداع مبالغ شهرية منتظمة باسم البنات.

نظر القاضي في الأوراق بتمعن، ثم رفع عينيه إلى محمود وقال بنبرة حاسمة: “المحكمة تقرر تأجيل القيمة التنفيذية لمدة ثلاثة أشهر لإتاحة الفرصة للمدعى عليه باستكمال التسوية ودفع بقية الأقساط للملتزمين.”

خرج محمود من قاعة المحكمة وكأنه كتب له عمر جديد. استنشق الهواء بلهفة وكأن سلاسل حديدية كانت تطوق عنقه وفُكت في اللحظة الأخيرة. نظر إلى محاميّ وسأله بصوت مرتعش: “هي هبة.. هي هبة اللي طلبت منك تطلب التأجيل وتثبت التسوية؟”

رد المحامي ببرود وهو يجمع أوراقه في حقيبته: “المدام هبة مش عايزة تخرب بيتك ولا تحبسك يا محمود بيه.. المدام هبة بتدير الأزمة بعقل، وعايزة حق بناتها وكرامتها فقط. لو هي كانت عايزاك تتسجن، كانت حركت قضايا الوصل فوراً ومن غير تأجيل. فكّر في كلامي كويس، وارعى ربنا في بيتك وبناتك قبل ما المهلة دي تخلص.”

سار محمود في طريق العودة إلى الحارة وهو يفكر في كل كلمة قيلت. أدرك في تلك اللحظة فرقاً جوهرياً هائلاً بين امرأتين؛ بين شيرين التي أحبته لأجل مظهر ثراء وهمي وباعت قضيته ولعنت اليوم الذي عرفته فيه بمجرد أن شمت رائحة الأزمة، وبين هبة التي رغم كل الإهانات والبجاحة والكسرة التي سببها لها، كانت هي الجدار الصلب الوحيد الذي يحميه من السجن ويحفظ أطفاله من الضياع، حتى وهي تحاكمه بقوة القانون.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *