بيت حكايات صافي
بيت حكايات صافى
اشتريت بيت طفولتي في مزاد علني.. وفي أول ليلة ليا هناك، لقيت أمي بتكلمني وهي بتعيط وبتقولي: “أبوس إيدك قولي إنك ملاقيتش الأوضة اللي أبوك بنا عليها حيطة وقففلها خالص”.
كان عندي ستاشر سنة لما البيت ضاع مننا.
لا بعناه ولا عزلنا لبيت أحسن.. البيت ضاع.
أبويا مكنش بيدفع الأقساط، طنش جوابات كتير، وفي يوم مطر، جم ناس غريبة رموا حاجتنا على الرصيف، وأمي واقفة في المدخل وحاطة إيدها على بوقها من الصدمة.
فاكر أخويا الصغير وهو بيعيط عشان جوایزه بتاعة المدرسة كانت محطوطة في كيس زبالة.
فاكر أبويا وهو مش قادر يحط عينه في عين حد فينا.
بعدها نقلنا لشقة ضيقة فوق مغسلة، وأمي من يومها مجابتش سيرة البيت ده تاني أبدًا.
بس أنا منستش.
فضلت أفكر فيه طول سنين الكلية، وفي الشغلانتين اللي كنت بشتغلهم، ومع كل أكلة رخيصة وكل ليلة كنت بسهر فيها في المكتب.. حلفت إني هرجعه تاني.
وبعد عشرين سنة، نفذت وعدي.
البيت نزل
في مزاد بعد ما صاحبه الأخير مات.. كان أصغر من اللي فاكره، والدهان متقشر والزرع ميت ومغطي السلالم، بس لما مسكت المفاتيح في إيدي، عيطت.
أول ليلة، كنت بتمشى من أوضة لأوضة، وبلمس الحيطان كأنها ممكن تفتكرني.
لحد ما لاحظت حاجة غريبة ورا الخزين بتاع المطبخ.
حتة حيطة رفيعة كده شكلها مش ماشي مع باقي الحيطان.
وقبل ما أقرب وأشوف في إيه، موبايلي رن.
كانت أمي.
كانت بتعيط بحرقة لدرجة إني مكنتش فاهم منها كلمة.
قالتلي: “أرجوك.. قولي إنك ملاقيتش الأوضة اللي أبوك قفلها”.
دمي اتجمد في عروقي.
”أوضة إيه؟”
سكتت خالص.. وبعدها همست: “الأوضة اللي خلاني أحلف إني أنساها”.
قلتلها إني ملاقيتش حاجة.
بس بعد ما قفلت معاها، رجعت لحتة الحيطة دي وخبطت عليها.
كانت بتطبل.. يعني وراها فراغ.
وإيدي بتترعش، جبت شاكوش قديم من الجراج وكسرت خرم صغير.
نورت كشاف الموبايل وبصيت جوه.. واتسمرت مكاني.
النور خبط في حاجة بتلمع. . وساعة ما ركزت، لقيت الأوضة مليانة شنط سفر قديمة مرصوصة فوق بعضها لغاية السقف.
فتحت أول شنطة بـإيد بتترعش، ولقيت جواها رزم فلوس.. دولارات، ودهب، وساعات غالية جداً. فتحت الشنطة اللي بعدها، والسابعة، والعاشرة.. البيت كله كان ممكن يتسدد تمنه باللي في شنطة واحدة منهم!
وفجأة وقعت عيني على ورقة متطبقة فوق الشنط، مكتوبة بخط أبويا اللي أعرفه كويس:
“سامحيني يا سعاد.. الفلوس دي تمن السكوت، تمن الدم اللي شفته في ليلة مكنش المفروض أخرج فيها.. هما لسه بيدوروا عليها، ولو عرفوا إنها معايا هيقت*لونا كلنا.. كان لازم نمشي، كان لازم يبان إننا مفلسين عشان نعيش.”
وفي اللحظة دي، سمعت صوت خروشة ورايا.. لفت وشي لقيت خيال حد واقف عند باب المطبخ، وصوت نفس عالي وكأن في حد مستني اللحظة دي من عشرين سنة.
الخيال قرب مني ببطء، ونور كشاف موبايلي جه على وشه.. كان راجل عجوز، وشه مليان تجاعيد، ولابس لبس حارس أمن قديم.
”
أخيراً فتحتها يا بنت القناوي..” قالها بصوت مبحوح ويخوف.
أنا جمدت في مكاني، الشاكوش لسه في إيدي، وسألته برعب: “أنت مين؟ ودخلت هنا إزاي؟”
ضحك ضحكة صفرا وقال: “أنا اللي كنت مستني أبوك يرجع، بس هو كان أذكى مني، اختفى وخد السر معاه.. السنين دي كلها وأنا عارف إن الفلوس هنا، بس مكنتش أقدر أدخل والبيت فيه سكان، والورثة اللي جم بعدكم مكنوش يعرفوا حاجة.. لكن أنتي؟ أنت جيت عشان تنبش في الماضي وتطلّع اللي كان مستخبي.”
رفع إيده وكان فيها مس*دس قديم ومصدي، وكمل: “الشنط دي مش ليك، ولا كانت لأبوك.. دي تمن “بضاعة” ضاعت من ناس مبيعرفوش الرحمة، وأبوك سرق السدنة (المسؤولين عن الحسابات) وهرب.. أنا كنت شريكه، وهو غدر بيا.”
لسه هرد عليه، موبايلي رن تاني في إيدي.. كانت أمي. فتحت الخط من غير ما أفكر، وصوتها كان طالع مرعوب وبتقول: “يا ابنتي اهربي! أبوكي ممتش.. أبوك لسه عايش وهو اللي باعت الراجل ده عشان يخلص على أي حد يعرف طريق الأوضة.. اهرب يا ابنتي!”
الراجل العجوز ابتسم وقال: “أمك لسه ذكية زي زمان.. بس للأسف، مفيش حد هيخرج من هنا ومعاه دولار واحد.”
وفجأة، النور بتاع البيت كله قطع، وسمعت صوت تكة المس*دس وهي بتتحضر في ا
رميت الموبايل من إيدي وبسرعة استخبيت ورا باب الأوضة المفتوح، قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة إن الراجل سامع دقاته.
سمعت خطواته بتقرب ببطء، وصوته المبحوح بيقول في الضلمة: “اطلعي يا شاطرة.. هتتعبي نفسك ع الفاضي، البيت ده أنا حافظه ركن ركن قبل ما أنتي تتولدي أصلاً.”
فجأة، سمعت صوت خبط ورزع جامد على الباب اللي ورا، باب المطبخ اللي بيطل على الجنينة اللي كانت مهجورة. الراجل اتنفض ووجه المس*دس ناحية الصوت وهو بيزعق: “مين هناك؟”
استغليت اللحظة دي، وبأقصى سرعة عندي، زقيت دولاب الخزين القديم اللي كان جنب الحيطة المهدودة بكل قوتي.. الدولاب وقع عليه بحمل كبير، والمس*دس اتنطر من إيده وض*رب طلقة في السقف.
جريت ناحية الباب، بس قبل ما أخرج، شفت خيال حد داخل من باب المطبخ. . راجل طويل، لابس كاب ومغطي وشه، وفي إيده حديدة. قلبي وقع في رجلي، قلت خلاص ده اللي أمي قالت عليه.. ده أبويا!
الراجل اللي بالكاب مابصش ناحيتي حتى، وراح هجم على الراجل العجوز اللي تحت الدولاب وفضل يض*رب فيه بغل وهو بيقول: “قلتلك لو قربت لعيالي هنهي حياتك.. أنا سبتلك البيت والفلوس السنين دي كلها عشان تبعد عنهم، ورجعت برضه؟”
وقفت مذهولة.. الصوت ده مش غريب عليا. ده صوت أبويا فعلاً، بس مكسور وعجوز جداً.
بص ناحيتي والنور بتاع كشاف الموبايل اللي كان واقع على الأرض ضوي على وشه.. كان فعلاً هو، بس ملامحه كانت متبهدلة. قالي بلهفة وهو بيتكحل: “يا بنتي اطلعي من هنا حالاً.. الشنط دي ملعونة، والناس اللي بيدوروا عليها لسه بره في العربيات.. أنا اللي بعت المزاد عشان تشتري البيت، كنت فاكر إني هعرف أحميكي، بس طلعوا مراقبينك من أول ما دخلتي.”
وفجأة، سمعنا صوت سرينة بوليس بتقرب، وصوت ض*رب نار بره البيت. أبويا مسك إيدي وقالي: “المدخل السري اللي في الأوضة مش بس للفلوس.. ده فيه سرداب بيطلع على الشارع اللي ورا.. امشي ومتبصيش وراكي، وسيبي كل حاجة!”
بصيت لشنط الفلوس، وبصيت لأبويا اللي ضيع عمره هربان، وخدت قراري.
سيبت شنط الفلوس مكانها.. مكنتش عايزة سنت واحد من الفلوس اللي دمرت عيلتنا وكسرت أبويا. مسكت إيد أبويا بقوة وقلتله: “مش هتمشي لوحدك يا بابا، اللي فات مات، والفلوس دي هي اللي جابتلنا المصايب.. يلا نمشي من هنا.”
أبويا بصلي بذهول، كان فاكر إني هطمع في الكنز، بس لما شاف نظرة عيني، هز راسه وخدني من إيدي ودخلنا السرداب اللي ورا الشنط. كان ممر ضيق وريحته تراب، بنمشي فيه وصوت ض*رب النار بره بيعلى ويقرب.
خرجنا من فتحة مدارية ورا شجر كثيف في آخر الشارع اللي ورا. كانت الدنيا لسه بتمطر، زي الليلة اللي اطردنا فيها من البيت بالظبط. بصيت للبيت لآخر مرة، شفت عربيات سوداء محاوطاه ورجالة بأسلحة داخلين يقتحموه، وبعد ثواني انفجار هز المكان كله.. البيت ولع، والسر اللي جواه اتحرق معاه.
أبويا وقف يتفرج والنار بتنعكس في عينه، ودموعه نازلة. قالي بصوت واطي: “كده انتهت يا بنتي.. الكابوس اللي عاش معايا عشرين سنة خلص.”
خدته وركبنا عربيتي، وطول الطريق مكنتش قادرة أصدق إن الراجل اللي كان غريب عننا السنين دي كلها قاعد جنبي. وصلنا عند شقة أمي، وأول ما فتحت الباب وشافته، وقعت على ركبها وهي بتصرخ من الصدمة.
قعدنا كلنا، وحكى لينا الحقيقة.. إنه كان مجرد شاهد على ج*ريمة كبيرة تخص ناس واصلين، وعشان يحمينا، اضطر يمثل إنه خسر فلوسه ويهرب بالشنط دي ويخبيها في البيت ويختفي هو، عشان “العصابة” تفتكر إنه م*ات أو هرب بالفلوس بعيد.
تاني يوم، عرفنا من الأخبار إن البيت اتحرق بالكامل وتفحم، والشرطة لقت ج*ثة “الراجل العجوز” بس.
دلوقتي، بنبدأ من جديد.. ممعناش كنز، ولا معانا البيت اللي حلمت بيه، بس معانا “بابا” اللي رجع من الم*وت، وراحة البال اللي الفلوس عمرها ما كانت هتشتريها.
أنا خسرت البيت للمرة التانية.. بس المرة دي، أنا اللي اخترت أخسره عشان أكسب عيلتي.