جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ٢

احتضن محمود بناته الثلاث بقوة، وبكى بكاءً مريراً استمر لدقائق، كان يمسح رأسهن ويقبلهن بلهفة وكأنه يكتشف وجودهن لأول مرة في حياته. نظر إلى أمه الحاجة حكمت وهي تبكي بكسرة في زاويتها، وقال لها بصوت مسموع: ” شايفه يا أمي؟ شايفه البنات اللي كنتِ بتقولي عليهم قلة بخت؟ دول هما اللي شايلين اسمي، وهما اللي أمهن حمتني من السجن لما كل الناس سابتني!”

لم تستطع الحاجة حكمت أن تنطق بحرف واحد. كانت دموعها تنزل في صمت، ونظرت إليّ لأول مرة بنظرة انكسار ورجاء، وكأنها تطلب العفو عن كل كلمة قاسية وُجهت إليّ خلال السنين الماضية.

مرت الأيام التالية والبيت يسير بنظام جديد كالساعة. محمود أصبح يخرج من السادسة صباحاً لعمله في المقاولات، يواصل الليل بالنهار لجمع المال بجهد وشرف، يفي بمتطلبات البيت ويلتزم بدفع أجزاء من ديونه المتبقية للشركات. ولم يعد يتدخل في الشؤون المالية للبنات، بل كان يسلمني المصروف الأسبوعي بلا مجادلة أو تقصير.

أما الحاجة حكمت، فقد تغير سلوكها تماماً؛ أصبحت تقضي أغلب وقتها في الاستغفار والصلاة، وتتعامل مع البنات بحنان وعناية لم تعهدها العائلة منها من قبل. كانت تحاول التكفير عن أخطائها بالتقرب من فريدة وأخواتها، وتجنب أي احتكاك معي.

وفي ليلة من ليالي نهاية الأسبوع، وأثناء تناول العشاء، فتح محمود حديثاً هادئاً وقال: “هبة.. باقي شهرين على مهلة المحكمة، وأنا الحمد لله قدرت أجمع مبلغ كويّس من شغلي الجديد مع مهندس ديكور كبير، وسددت جزء تاني من ديون مواد البناء. أنا حابب إننا نفتح صفحة جديدة، ونخلي المحامي ينهي وصل الأمانة والقضايا بشكل رسمي، وأوعدك قدام ربنا وبناتي إن عمري ما هفكر أظلمك أو أسمع كلام يضر بيتنا تاني.”

نظرتُ إليه بتمعن، ورأيت التغير الحقيقي في تصرفاته وأفعاله وليس فقط في كلامه، لكنني كستُ وجهي بابتسامة متزنة وقوية، وقلت: “الخطوات اللي عملتها كويسة يا محمود، والأفعال دي هي اللي بتبني الثقة من جديد. بس الثقة اللي اتكسرت في سبع سنين ما بترجعش في شهرين. المحامي هيتبع الإجراءات القانونية اللي تضمن حق البنات وحقك في نفس الوقت لما تسدد آخر جنيه من الديون. ومن هنا لغاية ما ده يحصل.. يفضل الوضع زي ما هو، البيت مستقر، وبناتنا بيتربوا في عز وكرامة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *