جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ٢

انسحب الرجلان بعدما تركا الأكياس ملقاة على الأرض أمام عيون أهل الحارة. انغلق الباب، وساد صمت قاتل في البيت. كان محمود واقفاً كالصنم، يداه ترتجفان، وشخصيته اتمحت تماماً أمام هذا الموقف المفزع. كانت هذه هي الملحمة الأولى التي يذوق فيها مرارة التشهير العلني بالخطأ الذي ارتكبه بنفسه.

جثى محمود على ركبتيه ببطء ليرفع الأكياس من على الأرض، لكن الحاجة حكمت هجمت على الأكياس وانكبت تفحص الشبكة والمصاغ بلهفة وقالت: “نشكر ربنا إنهم رجعوا الدهب والشبكة! أهو ده رزق وجالنا من حيث لا نحتسب، نبيعه ونفك بيه الضيقة ونرجع بيه شقتنا اللي راحت للغرباء!”

في هذه اللحظة، خرجتُ من المطبخ بخطوات هادئة ولكن متزنة، ونظرتُ إليها بنظرة جعلتها تتوقف مكانها وتتراجع يداً إلى الخلف.

قلت بصوت صارم وواضح: “حاسبي يا حاجة حكمت.. الشبكة دي مش رزق جه للبيت عشان يضيع على الأوهام. الشبكة دي محمود جابها بفلوس استلفها من شغلنا وبيت بناتنا، وتعتبر جزء من سداد الدين اللي ثبت عليه رسمياً. الحاجات دي هتروح فوراً للمحامي، وهتسجل كدفعة جزئية من القيمة المادية المكتوبة في وصل الأمانة لصالح فريدة ونور وتاليا.”

صرخ محمود وهو يرفع رأسه وعيناه الدموع تغشيهما: “يا هبة حرام عليكِ! كفاية إهانة لحد كده! الشارع كله سمع، والناس اتكلمت، وجاي تاخدي الشبكة كمان؟! أنتِ معندكيش رحمة؟!”

وقفتُ أمامه بثبات وقسوة واثقة: “الرحمة أنت اللي قتلتها يا محمود يوم ما دخلت عليا بالعروسة الجديدة في نص الصالة، ويوم ما استكثرت عليا وعلى بناتك لقمة عيش هادئة وكرامة مرفوعة. أنت كنت فاكر إن الجوازة الثانية هتخليك سيدي وسيد الناس، ودلوقتي شفت بنفسك مين اللي اشترتك عشان القرشين، ومين اللي وقفت جنبك لما الكل سابك. الشبكة دي مش ملكك ولا ملك أمك، دي حق البنات والقانون هو اللي هيحكم بيننا.”

التقطتُ الأكياس بهدوء وأدخلتها إلى غرفتي وقفلته بالمفتاح. جلس محمود على الأرض يستند بظهره إلى الجدار، وأجهش بالبكاء كالطفل الصغير، بينما فضلت الحاجة حكمت الصمت تماماً ودخلت غرفتها وانغلق الباب عليها، بعد أن أدركت تماماً أن أي محاولة للمقاومة سترتد عليها وعلى ابنها بوبال أكبر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *