جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ٢

ظل محمود جالسًا على الأرض لعدة ثمانٍ، ينظر إليّ بعينين فارغتين وكأنه يحاول استيعاب أن هبة—الزوجة الهادئة التي كانت تتحمل تجني أمه وصمته—هي نفسها التي تقف أمامه الآن وتملي عليه شروطها بكل ثبات وقوة. بلع ريقه بصعوبة، ونظر إلى أمه التي كانت تقف عند باب الغرفة، تنظر إليه بكسرة لم يعهدها فيها من قبل.

قال بصوت خافت ومصحوب بغصة: “موافق يا هبة.. موافق على كل شروطك. الشقة تتدأجر، والإيجار يروح لحساب البنات، ومصاريف البيت عليّ جزاء وفاقًا على اللي عملته.. بس أرجوكي، بلاش تحرميني من بيتي وبناتي.”

وقفتُ أمامه بثبات ولم أهتز، وقلت بنبرة حاسمة: “الورق بكرة الصبح هيتوقع عند المحامي. العقد إيجار أملاك، والإيراد هينزل في الحساب المالي اللي فتحته باسم فريدة ونور وتاليا. وأنت هترجع شغلك بجدية، ومن غير ما تفتح بقك بكلمة واحدة عن موضوع الجواز ده تاني.. لا أنت ولا الحاجة حكمت.”

في صباح اليوم التالي، جاء السمسار ومعه العريس الجديد لتوقيع عقد الإيجار. قعد محمود في الصالة كأنه ضيف غريب في بيته، يشاهد بنفسه لحظة توقيع العقد واستلامي للمبلغ المقدم والأقساط الشهرية. كل حركة كانت بمثابة مسمار يُدق في غروره المكسور، لكنه كان يعلم أن أي اعتراض معناه صدور حكم بحبسه وتنفيذ التحفظ على نصيبه كاملاً.

بعد خروج السمسار والمستأجر، وضعتُ العقد في حقيبتي وتوجهتُ نحو باب الشقة. ناداني محمود بصوت مجهد: “على فين يا هبة؟”

التفتُ إليه وقلت بكل بساطة: “طالعة البنك أودع المبلغ في حساب البنات، وبعدها نازلة أشتري لهم هدوم ومستلزمات المدرسة الجديدة. الفلوس دي حقهم، ومش هتروح إلا في مكانها الصح.”

الحاجة حكمت، التي كانت تجلس في زاوية الصالة، لم تتفوه بكلمة واحدة، لكن نظراتها كانت تتابعني وهي تشعر بحسرة شديدة على المكانة التي فقدتها داخل البيت. لم تعد هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، ولم يعد ابنها قادرًا على حمايتها أو حماية أوهامها القديمة.

مرت الأيام والأسابيع، وأصبحت الشقة في الدور العلوي مسكونة بعائلة جديدة، وصوت أقدامهم وحياتهم فوقنا يذكر محمود والحاجة حكمت كل يوم بالخطأ الجسيم الذي ارتكباه. أصبح محمود يعمل ليل نهار ليسدد ديونه المتبقية من تجربة خطوبته الفاشلة وللتأكد من توفير كل متطلبات البيت دون تقصير، خوفًا من أن أُحرك القضايا المعلقة ضدده.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *