جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ٢

عندما وصل البيت، كانت الظهيرة قد حلت. دخل الصالة فوجد البيتادين والدواء على الطاولة، والحاجة حكمت تجلس في زاوية الكنبة وانكماش كامل يعلو جسدها. كانت مريضة، وضغط دمها مرتفعاً من كثرة التفكير والخزي الذي ألمّ بها.
خرجتُ من المطبخ وأنا أحمل كوباً من الأعشاب الدافئة، وقدمته للحاجة حكمت بغير تشفٍّ ولا إساءة، بل ببرود الواثقة التي لا تصب الزيت على النار، لكنها في الوقت نفسه لا تتنازل عن حدودها.
نظر محمود إليّ وإلى أمه، وقرب من أمه وقبل رأسها ثم التفت إليّ وقال بصوت مشحون بالرجاء والدموع: “القاضي أجل القضية ثلاثة أشهر يا هبة.. والمحامي قدم أوراق التسوية. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنتِ أنقذتيني للمرة الثانية من السجن.”
جلستُ على الكرسي المقابل ونظرتُ إليه بتمعن وقلتُ بثبات: “أنا ما أنقذتكش عشان سواد عينيك يا محمود.. أنا أنقذتك عشان فريدة ونور وتاليا ما يتقالش عليهم أبوه رد سجون. أنا عملت ده عشان بناتي يعيشوا مرفوعين الرأس، وما يتكسروش قدام حد.”
قعد محمود على الأرض بالقرب من قدمي، وبدأ يحكي بحسرة وندم: “أنا كنت عمي يا هبة.. أمي كانت بتقنعني كل يوم إن الست ملهاش أمان وإن الولد هو السند، وأنا مشيت ورا الكلام الفاضي. شيرين وأهلها رموا أكياس هدومي في الشارع وشتموني قدام الجيران، وأنتِ اللي صنتيني قدام المحكمة والقاضي. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تسامحيني.. لو عايزة أكتب لك البيت كله باسمك أنتِ والبنات هكتبه!”
رديت عليه بصوت جاد وهادئ: “البيوت ما بتتبنيش بالأوراق والتنازلات تحت التهديد يا محمود. البيوت بتتبني بالاحترام والعقل. أنت شفت بنفسك مين اللي يصون ومين اللي يبيع. الشقة اللي فوق كدة كدة إيجارها ماشى لحساب البنات، ومصروف البيت أسبوع بأسبوع هيتوفر منك بدون تقصير. والمهلة بتاعة الثلاث أشهر دي مش بس عشان المحكمة.. دي مهلة ليك أنت كمان، عشان تثبت لنفسك ولبناتك إنك ينفع تكون أب حقيقي، مش مجرد راجل يجري ورا كلام أمه وأوهام الهيبة المزيفة.”
دخلت فريدة ونور وتاليا الصالة في تلك اللحظة، ورأين أباهن يجلس على الأرض ودموعه على خديه. ركضت تاليا الصغرى ونطت في حضنه وقالت: “بابا.. أنت بتعيط ليه؟ هو حد زعلك؟”

