جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ٢

وفي يوم من الأيام، جاءت فريدة وبصحبتها نور وتاليا، وجلسن حول والدهن في الصالة وهن يحملن كراسات الرسم وشهادات التقدير من المدرسة. قالت فريدة بابتسامة تملأ وجهها: “شوف يا بابا، أنا ونور أخدنا المركز الأول في المدرسة، وماما جابت لنا الجوايز دي من حسابنا في البنك!”

نظر محمود إلى شهادات بناته، ثم رفع عينيه ونظر إليّ وأنا أعد الطعام في المطبخ. رأيت في عينيه مزيجًا من الندم الشديد والامتنان المكتوم. أدرك أخيراً أن البنات اللاتي كان يراهن أهله “قلة بخت”، هن مصدر الفخر والستر الحقيقي لبيته.

لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد؛ ففي مساء أحد الأيام، ضرب جرس الباب بشدة وغير معتادة. فتح محمود الباب ليفاجأ بوالد شيرين ومعه شقيقها، ووجوههما ترتسم عليها علامات الغضب والوعيد، وتحمل إيديهما أكياساً وكراتين تحتوي على أغراض محمود القديمة وشبكته.

قال والد شيرين بصوت عالٍ سمعته الحارة كلها: “خد حاجتك يا محمود! بنتنا مش للبيع ولا للشراء، واللي يضحك على الناس ويبين إنه صاحب أملاك وهو مديون ومحجوز عليه، ما يلزمناش ندخل بيته ثاني!”

ارتفعت الأصوات في المدخل وتجمّع بعض الجيران من أصحاب المحلات المجاورة ينظرون بفضول. وقف محمود في ذهول تام، وجهه يشتعل حمراء من شدة الخجل والإحراج وهو يرى والده شيرين وشقيقها يلقيان بالكراتين على العتبة بلا أي احترام.

وقف شقيق شيرين بعنجهية وقال بصوت جهوري: “دي الشبكة، والهدايا اللي جبتها في المناسبات. اختصرنا الطريق ورجعنا كل حاجة عشان ما ينوبناش منك ولا من عيلتك نقطة سوداء. بنتنا يسواها ألف راجل، ومش هتروح لواحد بيبني مجده على حساب مراته ويبص لدهبها عشان يستر ديونه!”

خرجت الحاجة حكمت من الغرفة مرتعدة، وصاح بصوت متهدج حاول تتصنع فيه القوة: “جرى إيه يا جدع أنت وهو؟! جرى إيه يا سي عبد السلام؟! إحنا ناس ولاد أصول، وابني سيد الرجالة، وما عشورناش النصب ولا قلة الأصل! انتم اللي ما صدقتوا وحسبتوها فلوس وقروش!”

رد والد شيرين بسخرية لاذعة هزت أركان الصالة: “ولاد أصول؟! ابن الأصول ما يروحش يخطب وهو مديون ومحجوز على شقته من صاحب مواد البناء! ابن الأصول ما يطمعش في دهب مراته اللي صايناه وصاينا بناته! الحمد لله إن ربنا كشفكم قبل ما ندبس بنتنا في شقة مقتطعة ومحاكم مبتنتهيش. يلا يا ابني من هنا، البيت ده ما يدخلوش راجل يقدر قيمة نفسه!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *