جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ١

محمود قرب خطوة، ومسك إيدي، بس أنا سحبت إيدي فوراً وكأني اتلمست بنار.
“يا هبة افهمي…” حاول يتكلم، بس أنا قطعت كلامه بصرامة: “الموضوع اتعدى حدود الكلام يا محمود. أنا مش هعيش دور الضحية اللي تقعد تعيط في الزاوية وتستنى لما تحن عليها. الورقتين اللي شفتهم في علبة الدهب دول مش تهديد، دول واقع. الشقة اللي فوق دي من بكرة الصبح، مكتوب عليها للإيجار. المؤجرين هييجوا يعاينوها، والعربود اللي هيدخل منها هيروح حسابه لفيزا باسم بناتي: فريدة ونور وتاليا. عشان أضمن مصاريف مدارسهم ولبسهم وعيشهم، عشان ما يجيش يوم وتحوجهم لأحد، ولا حتى لأبوهم.”
صرخت الحاجة حكمت تاني: “شقة ابني تتأجر للغرباء؟ وأنا عايشة في البيت ده؟ والله ما يحصل! دي شقة ابن الحاج عبد الصمد، ما يدخلهاش غريب طالما أنا حية!”
رديت عليها بحزم وقفت على حيلي: “الشقة دي مبنية بنصيبي وبفلوسي اللي محمود خدها ورقة وقانون، والقاضي حاطط إيده عليها لصالحي. لو عندك اعتراض يا حاجة، المحكمة مفتوحة، روحوا قدام القاضي وقولوا له ‘عايزين ناخد حق البنات نديه لعروسة ابننا الثانية’ وشوفوا هيرد عليكم يقول إيه!”
محمود اتجمد مكانه، ومسح عرق جبينه بإيد بترتعش. كان عارف إن الموقف قانونياً ومنطقياً وخلقياً ضده تماماً. هو اللي تورط في ديون بالهبل عشان يقنع شيرين وأهلها إنه راجل ثري ومقتدر، وهو اللي مشي ورا أوهام إن السند هو الولد، وفي الآخر اكتشف إن الست اللي كان بايعها هي الوحيدة اللي كانت شايلة اسمه وبيته من السقوط.
في اللحظة دي، خرجت فريدة، بنتنا الكبيرة اللي عندها ست سنين، من الأوضة وهي بتدعك في عينيها. كانت ماسكة في إيدها أختها الصغيرة تاليا. فريدة بصت لأبوها ولجدتها، وبعدين بصت لي وقالت بصوت طفولي بريء: “ماما.. هو بابا زعلان ليه؟ وهي طنط شيرين مش هتيجي تاني تلعب معانا وتضحك فوق؟”
الكلام نزل زي الصاعقة على محمود. وشه احمر من الخجل، وركبته خارت وقعد على الأرض قدام بنته. مسك إيد فريدة بلهفة وقال وهو بيغالب دموعه: “لا يا حبيبتي.. مفيش طنط شيرين، ومفيش حد هييجي فوق.. بابا كان غبي يا فريدة، كان غبي أوي.”
رفعت فريدة عينيها الصغار وبصت لأبوها وقالت بفضول الأطفال: “ماما قالت لنا إن ربنا بيحبنا عشان إحنا ثلاث بنات، وقالت إن البنات هما اللي بيمسكوا إيد بابا وماما لما يكبروا. أنت زعلان عشان إحنا بنات يا بابا؟”
