جوزي بيجهز للجوازة التانية زهرة الربيع ١

محمود غطى وشه بإيديه الاثنين وبدأ يبكي بصوت مسموع، بكاء راجل اكتشف إنه خسر كل حاجة في لحظة غباء وتكبر. الحاجة حكمت وقفت مصدومة، مش عارفة تدافع عن ابنها ولا تهاجم البنات اللي كانت بتبص لهم طول عمرهم على إنهم “قلة بخت”.
قربت من فريدة وتاليا، وسحبتهم بالراحة لربوعي، وبصيت لمحمود وهو جالس على الأرض بيبكي وبقلب ملوش مكان للشفقة الزائفة: “الدموع دي متأخرة أوي يا محمود. الدموع دي كان المفروض تنزل يوم ما فكرت تبيع اللي صانتك عشان واحدة اشتراك بفلوس مش بتاعتك. بكرة الصبح السمسار هييجي، والمهندس هيعيّن الشقة عشان تجهز للإيجار. وأنت قدامك مهلة شهر واحد، يا تسدد الدين اللي عليك بالكامل وتجيب لي كفالة مالية تضمن مصاريف البنات لحد ما يكبروا، يا إما تنفيذ الأحكام هيياخد مجراه، وساعتها مش هينفعك كلام أمك ولا دعواتها.”
محمود رفع رأسه وبص لي بعيون حمرا ومليانة حسرة: “يعني مفيش أمل يا هبة؟ مفيش فرصة ثانية أصلح بيها اللي عملته؟”
رديت عليه بابتسامة هادية جداً، ابتسامة الست اللي خرجت من التنازلات والألم وبقت هي اللي بتحدد الشروط: “الفرص بتعطى للناس اللي بتغلط في حق نفسها، مش للناس اللي بتهون عليها كرامة ولادها وزوجاتها عشان أرضاء غرورهم. أنت اخترت طريقك يا محمود، وأنا اخترت طريقي.. وطريقي هو بناتي وكرامتي، واللي يتطاول عليهم أو يمسهم، هيدفع الثمن بالقانون والعدل.”
سحبت بناتي ودخلت بيهم الأوضة، وقفلت الباب بالمفتاح، وسمعت صوت خطوات محمود وهو بياخد شنطته وبيخرج من الشقة مكسور الخاطر، وصوت الحاجة حكمت وهي بتقعد على الكنبة بتندب بختها وبخت ابنها اللي ضاع بسبب طمعهم. كنت عارفة إن دي مش نهاية المطاف، إن المهركجة والديون والمحاكم لسه هتبدأ، بس كنت حاسة لأول مرة إن البيت ده بقى بيتي أنا وبناتي، وإن حقنا رجع لنا وزيادة.
خرج محمود من البيت وشنطة هدومه في إيده، ومشي في الشارع بخطوات تقيلة كأنه شايل جبل على كتفه. الليل كان لسه مغيم على الحارة، وكل خطوة كان بيمشيها كانت بتبعده عن البيت اللي قضى فيه سبع سنين، بيتك اللي صنتيه وبنيتيه معا خطوة بخطوة.
الحاجة حكمت فضلت قاعدة على الكنبة في الصالة، عينها متبتة في الأرض ودموعها نازلة بسكوت. الكبرياء اللي كان مالي وشها اتمسح تماماً، وبقت حاسة إن كل الدسائس والزن اللي زنته في ودن ابنها انقلب عليها وكسر ظهرهم هما الاثنين. خرجت من الأوضة بعد ما اطمنت إن البنات ناموا، وبصيت لها بكل هدوء.

