حكايات زهرة الربيع ١
“آه.. البيت معزول وقريب من ناحية الجبل.. سيب العربية بعيد شوية يا أحمد، مش عايزاهم يحسوا بصوت الموتور.”
ركن أحمد العربية ورا صف شجر جميز قديم وكثيف. النور كان لسة مبحلقش والبلد هادية، مفيش غير صوت كلاب بتعوي من بعيد. نزلت من العربية، ورجلي شيلاني بالعافية من طول السفر والخوف. أحمد مد إيده ورا الكرسي، وطلع البلطة الصغيرة وحطها في جيبه الداخلي للجاكيت، وأنا أخدت مسن الحديد في كم العباية.
مشينا في ممر ضيق ومغبر لحد ما ظهر البيت. بيت كبير من دورين، بس باين عليه السكون، النوافذ كلها مقفولة بشيش خشب ثقيل، ومفيش أي أثر للحياة.
أحمد قرب من الباب الخشب الضخم وبدأ يخبط بقوة وهدوء في نفس الوقت عشان ميعملش شوشرة في الحتة كلها.
أول خبطة.. تانية.. تالتة.
مفيش رد.
بدأت أسمع خروشة خفيفة من ورا الباب، وصوت خطوات بطيئة جداً بتقرب. قلبى دق بسرعة جنونية.
وفجأة، الباب اتفتح مواربة.. وظهر وش “مدحت”.
كان قالب وشه، عيونه منفوخة وواضح عليه الارتباك الشديد أول ما شافنا، الضحكة الصفرا المرسومة على وشه اتمحت في ثانية، وحل مكانها ذهول ورعب: “حماتي؟! أحمد؟! أنتوا إيه اللي جابكم هنا في الوقت ده ومن غير ميعاد؟!”
زقيت الباب بإيدي بقوة مكنتش أعرف إنها عندي: “وسع كدة يا مدحت.. جاية أشوف بنتي اللي صحتها بومب!”
دخلت الصالة الكبيرة، كانت ضلمة وكئيبة، وريحة المكان غريبة.. ريحة شبه المستشفيات على ريحة أدوية نفاذة. مدحت جرى ورانا وحاول يقف قدام السلم اللي بيطلع للدور التاني وهو بيترعش ويقول بصوت مرعوب بيحاول يخليه طبيعي: “يا جماعة مينفعش كدة! مريم نايمة.. قولت لحضرتك واخدة علاج شديد ومنوم ومش هتحس بحد دلوقتي.. اتفضلوا ارتاحوا في المندرة وأنا هعملكم شاي.”
أحمد قدم خطوة واحدة، وصدره عالي وواطي، وبص لمدحت بنظرة تخلص على العمر: “أنا أختي لو محصلتهاش في ثانية، رقبتك دي هتبقى في إيدي.. أبعد عن السلم!”
مدحت حاول يمد إيده عشان يمنع أحمد، بس أحمد زقه بكتفه زقة رمته على الأرض. طلعنا السلم جري، ومدحت ورا الصراخ بتاعه بدأ يعلى: “يا ناس يا هوه.. حرام عليكم.. متخربوش بيتي!”
وصلنا للدور التاني، كان فيه ممر طويل آخره باب أوضة منور خفيف من تحت العتبة. جريت على الباب وفتحته بقوة.