حكايات زهرة الربيع ١

مسكت الموبايل، وفتحت الفيديو المسجل للمكالمة تاني. عيني كانت مركزة على الشاشة مش بتترمِش.

“رأس البر…” الهمس ده طلع من بين سناني مخنوق.

أحمد لمح التوتر اللي صابني، هدى السرعة سنة وبصلي: “مالك يا أمي؟ قفشتي إيه في موضوع رأس البر ده؟”

رديت وصوتي بيرتعش من كتمة الغيظ والخوف: “أختك مريم، من وهي عندها سبع سنين، لسة مكملتش ثانية في ابتدائي، سافرنا مصيف رأس البر. هناك تاهت مني على الشاطئ وقعدنا ندوّر عليها خمس ساعات كاملين لحد ما أعصابنا باظت والشرطة اتدخلت. البنت من يومها جالي ليها عقدة نفسية، وبقت بتخاف من السفر، وبتكره سيرة رأس البر كره العمى! عمرها في حياتها ما تقول الكلمة دي، ولا تقترحها على حد.. دي الشفرة يا أحمد! مريم كانت بتبعتلي إشارة استغاثة، كانت بتقولي بطريقتها: (أنا تائهة وفي مصيبة يا ماما.. الحقيني).”

أحمد ضرب الدريكسيون بقبضة إيده لحد ما المزمار ضرب بصوت عالي في وسط الصحراء: “ابن الكلـب! يعني هو كان قاعد جنبها ومجبرها تقول كلام معين، وهي ذكية واستغلت الفرصة ولعبت بيه؟”

“بالظبط…” قاطعت كلامه وعيني على الـ GPS: “هو ميعرفش تاريخنا ولا أسرارنا، كان ملقنها تقول (لأ يا ماما متسافريش وخليكي في بيتك)، وهي رمت الكلمة دي عشان تفوقني. بس اللي هجنني.. شكلها في الفيديو! التيبس اللي في حركتها، النظرة الباهتة.. مريم مش مجرد خايفة، مريم فيها حاجة تانية كبيرة مخبية تحت الكادر!”

الليل عدا تقيل وممل، مفيش صوت غير صوت الموتور وصوت أنفاسنا المتلاحقة. كل ما نعدي كمين، أحمد يهدي السرعة ويثبت نظراته، والبلطة ومسن الحديد مستخبيين ورا الكراسي بعناية. الشك كان بياكل قلبي، وتخميني عن حملها زود رعب فوق رعبي.. لو كانت حامل فعلاً، ومدحت ده بني آدم سيكوباتي، يبقى بنتي في خطر مضاعف.

على الساعة ستة الصبح، بدا نور الفجر يشق عتمة الجبال، والـ GPS أعلن إننا دخلنا حدود محافظة قنا. السكة بدأت تضيق، والبيوت الطوب الأحمر والبيوت القديمة بدأت تظهر على جوانب الطريق، والمدقات الجبلية اللي مريم كانت بتحكي عنها بقت واقع بنمشي فيه. العربية بدأت تتهز جامد بسبب تكسير السكة.

أحمد وشه كان عرقان وعيونه حمرا من قلة النوم والعصبية: “أمي، إحنا قربنا نوصل.. البيت بتاعه في طرف القرية زي ما مريم كانت كاتباه في النوتة بتاعتك؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *