عزومة اهلي اماني السيد٣
أغلق بابا الخط، ونظر إليّ وقالي: “احذفي البوست يا بنتي. البراءة ظهرت والناس كلها عرفت مين الظالم ومين المظلوم، والتمادي في الفضيحة بيقلب الحق لباطل. إحنا خدنا حقنا تالت ومتلت، وديلوقتي اللعب بقى على الأرض مش على الشاشات”.
مسحت الفيديو وحذفت البوست. وفي تلك الليلة، نمت لأول مرة بعمق، وأنا أشعر أن رأسي في السماء، وأن كرامة أهلي عادت مغسولة بماء العزة.
تاني يوم العصر، وصلت سيارة أجرة أمام بيت بابا. نزل منها بهجت، بـحقائبه وعلامات التعب والغربة والهم مرسومة على ملامحه. دخل بيتنا وهو منكس الرأس، وبمجرد أن رأى بابا، انحنى وقبّل يده ورأسه واعتذر اعتذارًا بكي فيه كالأطفال. بابا استقبله بـوقار وجلسنا جميعًا في الصالة، وكان الحاج عبد الحميد (كبير عائلتهم) وحسين سِلفي حاضرين بعد أن استدعاهم بابا ليكونوا شهودًا على مجلس الحق.
وقف بابا وقال بثبات:
ـ “أهلاً بيكم يا جماعة. بهجت نزل واعتذر، والاعتذار مقبول عشان خاطر العيال. لكن الشروط اللي بنتي هترجع عليها مفيهاش فصال.. أولاً: شقة بنتي تتقفل بـمفتاحها، وأمك ملهاش دخول فيها ولا عتبة بابها في غيابك أو حضورك. ثانياً: مصاريف بنتي وعيالها توصلها في يدها معززة مكرمة، ومفيش مخلوق يحاسبها بتصرف إيه وبتأكل مين، بنتي أمينة على مالك وعرضك وأثبتت ده للكل. ثالثاً: وده الأهم، يتكتب وصل أمانة بـقيمة جهاز بنتي وحقها، وشرط جزائي في مجلس العرب ده، إن لو أمك تعرضت لها بكلمة واحدة أو تلميح، بنتي تاخد عيالها وتتطلق ومؤخرها ونفقتها يندفعوا فوراً والبيت يتخرب بجد.. موافق يا بهجت؟”
التفت بهجت لعمه ولأخيه حسين، فلم يجد من ينطق بحرف. الكل كان يعلم حجم الجُرم الذي ارتكبته أمهم. نظر بهجت إليّ وقال بصوت واضح:
ـ “موافق يا عمي.. ومستعد أبصم بالعشرة. نادية صانتني وأنا اللي ظلمتها، ومن النهاردة مفيش مخلوق يقدر يتدخل بيني وبينها.”
وُقّعت الأوراق، وتم الصلح في مجلس رجالة شهدت فيه العائلة كلها على براءتي وكرامتي. ورجعت بيتي في نفس الليلة، وأنا جارة شنطي، وحماتي واقفة وراء شيش نافذتها، بتبص عليا بنظرة انكسار وخوف، ومقادرة حتى تفتح بقها بكلمة واحدة.. بعد ما عرفت إن كلمتها اتكسرت، وإن جبروتها اتهد قدام الحقيقة.