اختي رجعت من السفر زهرة الربيع ٤

عمر من غير ما ينطق كلمة، دور العربية وطار بيها في شوارع القاهرة الفاضية كأنه سابق الموت. أنا كنت ورا، حاطة بنتي في حضني، وبمشي إيدي على جسمها الصغير، ولأول مرة من ساعة ما فكينا الطوق، البنت بدأت تنفَس براحة، وعياطها هدي تماماً، ونامت نوم عميق وصدرها بيعلو ويهبط بانتظام.. كأن الحمل الثقيل انشال من على روحها البريئة.

وصلنا بيت حماتي في منطقة مصر الجديدة.. البيت كان هادي تماماً، والنور مطفي. عمر فتح باب الشقة بمفتاحه ودخلنا براحة عشان ملوش خضة لحماتي العيانة. أول ما دخلنا الصالة، لقيت حماتي قاعدة على الكرسي الهزاز في الضلمة، وبتعيط بصوت مكتوم.

عمر جِري عليها وحضنها:

* “أمي! مالك؟ إيه اللي مقعدك في الضلمة؟ وصفاء فين؟”

حماتي رفعت وشها اللي كان مليان دموع، وبصت لعمر بنظرة كلها انكسار وقالت بصوت يرتجف:

* “صفاء جت هنا من ساعة يا عمر.. كانت زي المجنونة، لمت هدومها وكل الفلوس والدهب اللي في البيت، وكانت بتصرخ وتقول إنكم عرفتوا كل حاجة وإنها هتمشي ومش هتشوفوا وشها تاني.. وأنا مش فاهمة حاجة يا ابني! عملت إيه أختك؟”

هند قربت من حماتي وبست راسها وقالت لها:

* “اطمني يا طنط، كل حاجة هتبقى كويسة.. بس قوليلي، صفاء دخلت أوضة عمر القديمة قبل ما تمشي؟”

الأم هزت راسها وهي بتمسح دموعها:

* “آه.. قعدت فيها أكتر من ربع ساعة وكانت بتدب وتخبط جوه، ولما خرجت كانت بتضحك ضحك يقطع القلب وقالتلي: ‘أنا سيبت لعمر هدية عمري ما هينساها’!”

عمر مأداش فرصة لحد، وجري على أوضته القديمة، وفتح الباب بعنف، وشغل النور..

الأوضة كانت مكركبة، الأدراج مفتوحة والهدوم مرمية في كل مكان. بدأنا ندور إحنا الثلاثة زي المجانين.. تحت السرير، ورا الدولاب، جوه المخدات. مفيش أي حاجة غريبة!

لحد ما هند وقفت في نص الأوضة، وبصت للسقف.. السقف كان فيه نجفة قديمة جداً من النحاس، مفيهاش لمبات وشغالة كمنظر بس. هند شاورت عليها وقالت لعمر:

* “هات كرسي يا عمر.. واطلع شوف جوه قلب الكاسة بتاعة النجفة دي!”

عمر جاب الكرسي وطلع وهو بيترعش، ومد إيده جوه الكاسة النحاس الكبيرة الملتصقة بالسقف.. وفجأة، صوابعه لمست حاجة لزجة وساقعة.. سحب إيده بسرعة وهو بيشهق، وطلع معاها “برطمان قزاز صغير” مقفول بشمع أحمر، وجواه سائل لونه أحمر قاني كأنه دم طازة، وعايم جواه صور ليا أنا وعمر من يوم فرحنا.. الصور كانت مقصوصة بطريقة تخلي رقابنا مفصولة عن جسمنا!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *