عمري ما وثقت في مراتي روماني مكرم ٢

وقعت الكلمة على وداني ومسمعتش بعدها حاجة.. حسيت بصوت صفير عالي في دماغي، والحيطان بدأت تضيق عليا لحد ما بقيت مش قادر أخد نفسي. 300 ألف دولار.. شقى سنين، غُربة، طحن، حرمان، وشك عيشته لمراتي.. كله طار في الهوا عشان “أخويا الكبير”!

أمي كانت بتعيط وتترجاني، وبتقول كلام مكنتش قادر أجمعه: “يا ابني ده أخوك.. كان هيتسجن.. عرضه كان هيتشحن في المحاكم.. قلت شقاك هيرجع.. أخوك هيقف على رجله ويردلك كل مليم..”

قمت وقفت وأنا مش شايف قدامي، ضحكت بوجع وصرخت بصوت هز البيت: “يرجع إيه؟! يرجع منين؟! ده أخويا اللي طول عمره فاشل ومبيعرفش يمسك قرش! بقى تآمنيه هو على فلوسي وتضيعيني أنا؟ ده أنا كنت ببعتلك الفلوس عشان خايف من مراتي.. تطلعي إنتي اللي ضيعتيني يا أمي؟!”

أمي غطت وشها وفضلت تدعي وتعيط، مكنش فيه فايدة للكلام. سبت البيت ونزلت أجر رجلي في شوارع طنطا.. الشوارع اللي كبرت فيها وأنا بسمع تحذيرات أمي من الستات والأمان. كنت ماشي زي المجنون، الناس تبص لي وأنا مش هنا.. شريط حياتي كله بيتعاد قدام عيني..

افتكرت كل شهر كنت بخصم فيه من قوتنا أنا وأسماء عشان أبعت لطنطا. افتكرت أسماء وهي بتطلب حساب مشترك عشان نأمن مستقبلنا وأنا بصدها ببرود وشك. افتكرت نظرتها الأخيرة وجملتها: “بكرة تعرف إنك ضيعت عمرك بتتحامى في سور من رمل.”

يا الله.. السور طلع فعلاً من رمل.. وانهار فوق دماغي أنا!

ركبت العربية ورجعت على القاهرة.. الطريق كله كنت بتموت في كل ثانية مية مرة. وصلت شقتنا في عين شمس بالليل.. فتحت الباب بالراحة، كانت الشقة هادية، وريحة بخور خفيف مالية المكان.. نفس الهدوء اللي كنت بهرب منه.

دخلت الصالة، لقيت أسماء قاعدة في البلكونة وسط زرعها.. كانت ماسكة الدفتر الصغير وبتكتب بخطها المنظم. أول ما شافتني، اتخضت وقامت وقفت.. ملامحها اتغيرت من المفاجأة، بس لما قربت مني وشافت وشي، الخضة اتقلبت لقلق حقيقي.

وشي كان أصفر، وعيني دم، وهدومي متبهدلة.. كنت شبه واحد طالع من حادثة بموتة.

جرت عليا ومسكت إيدي بلهفة: “أحمد؟! في إيه يا حبيبي؟ إنت جيت إمتى؟ ومفركش كدة ليه؟ فيك إيه.. إنت تعبان؟!”

بصيت في عينيها.. العين اللي كنت دايماً بدور فيها على الشك والخيانة.. ملقتش فيها غير خوف حقيقي ونقي عليا. الخوف اللي عمري ما شفته في عيون حد تاني.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *