بوصي بقى يا عروسة روماني مكرم ١
كان متوقع تصرخ، ترمي نفسها تحت رجلين أابوها، أو حتى تبصله بقرف زي ما عملت نورهان، لكن البنت اللي قدامه، بعبايتها الباهتة ووجهها الهادي اللي شبه الملايكة، ردت عليه وكانها بتبلغه بقرار عادي مش بحكم بالإعدام على شبابها. حسن بلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج مخنوق ومتحشرج: “أنتِ فاهمة أنا قلت إيه يا فدوى؟ أنتِ عارفة يعني إيه أوضة على السطوح؟ يعني إيه شيل وحط وعيشة على القد ومفيش يوم حلو يترجى؟ أنا مش هعرف أجبلك طقم دهب، ولا هعرف أعملك فرح، ولا حتى هعرف أضمنلك بكرة فيه لقمة عدلة ولا لأ.
. أنتِ بترمك نفسك في النار معايا!”فدوى ما تحركتش من مكانها، فضلت باصة له بعيون ثابتة وفيها نظرة غموض مش قادر يفك شفرته. فركت إيدها البسيطة وقالت بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت نازلة زي الرصاص: “أنا عارفة كل حاجة يا أستاذ حسن. وعارفة إنك راجل، والراجل في الزمان ده قليل. اللي يصون حق الناس ويبص لأمه في مرضها وميهربش زي غيره، يبقى يتقال عليه راجل وتنداس معاه النار حافية. أنا مش طمعانة في دهب ولا شقة على النيل.. أنا عايزة ستر ربنا، وأمك في رقبتي لحد ما يقضي ربنا أمراً كان مفعولاً.
“حسن سكت، الجمل اتلجمت في لسانه. حس بإحساس غريب جواه، خليط بين القهر والامتنان، بس كبرياؤه المتجرح كان لسه بينزف. هو مش عايز عطف من حد، ولا عايز يحس إن فيه حد متفضل عليه. بصلها بعينين ضيقة وقال بنبرة حادة: “المأذون هييجي بكرة بعد العشا.. جهزي نفسك.” وسابها وخرج للشارع وهو حاسس إن الأرض بتدور بيه. في اليوم التالي، تم كل شيء في صمت رهيب. مفيش زغروطة واحدة طلعت من بيت عم سالم، مفيش تورتة ولا أنوار ولا معازيم.
المأذون كتب الكتاب، وحسن مضى بإيد بتترعش على كمبيالات جديدة كان بياخدها من تجار تانيين عشان يسدد أقدمها، وعم سالم واقف في الزاوية يدعيلهم بدموع محبوسة. فدوى لمّت هدومها القليلة في بقجة قماش صغيرة، ومشيت ورا حسن في شوارع البلد المحفورة. البلد كلها كانت واقفة في البلكونات وعلى المصاطب تتفرج. الناموس والهمس كان زي الفحيح: “شوف بنت الغفير اتجوزت ابن حسان بيه!”.. “اتدبست فيه وهو مديون لطوب الأرض”.. “دي نورهان بنت المستشار سابته، تقوم دي تاخده؟!”.. حسن كان ماشي حاني راسه، حاسس بالخزي والكسرة، بس فدوى كانت ماشية وراه بخطوات ثابته، باصة قدامها ومهمهاش كلام حد.