بوصي بقى يا عروسة روماني مكرم ١

وصلوا للبيت القديم. السلم الخشب المكسور كان بيزيّق تحت رجليهم وهو طالعين للسطوح. فتح حسن الباب الحديد الصدي، ودخلوا. المكان كان يخنق؛ أوضتين ضيقين، السقف خشب مقشر، والحيطان فيها رطوبة وكلها تراب. في زاوية الأوضة الجوانية، كانت أم حسن نايمة على سرير صاج قديم، عينيها مبصصة في السقف، شفتيها بيترعشوا بكلمات مش مفهومة، ومش قادرة تحرك نص جسمها الشمال. حسن وقف عند الباب، وبص لفدوى وقال بقلة حيلة: “دي العشة اللي نورهان رفضتها.. ودي أمي اللي بقيت عايش عشانها. لو عايزة ترجعي في كلامك يا بنت عم سالم، الباب مفتوح أهو.

“فدوى ما ردتش عليه. حطت بقجتها في الأرض بكل هدوء، وقلعت طرحتها السودة، وشمرت أكمام عبايتها. مشيت بخطوات بطيئة ناحية السرير، وقعدت على طرفه جنب أم حسن. مسكت إيد العجوزة المشلولة الباردة، وحطتها بين إيديها، وبصت في عينيها الزايغة وقالت بحنية هزت أركان الأوضة: “يا هلا بيكي يا أمي.. أنا فدوى، بنتك الجديدة.. والله لأشيلك فوق راسي لحد ما تقومي على رجليكي.

“الأم بصت لها، ولأول مرة من تلات شهور، نزل خط دموع دافي من عينها الصاحية، وكأنها حست بالطمأنينة اللي غابت عن البيت ده من يوم ما حسان بيه مات. حسن كان واقف بيتفرج، قلبه بياكله. العياط اتخنق في زوره، ساب الأوضة وخرج على السطح فوق، مسك السور الخشب وبكى لأول مرة من يوم الكارثة. بكى بقهره على حاله، وعلى أبوه، وعلى كبرياؤه اللي اتمرمغ في التراب. مرت الأيام الأولى وزي ما حسن توقع، العيشة كانت جحيم متواصل. حسن كان بيصحى من الساعة خمسة الصبح، يلبس هدومه الخشنة وينزل الشونة.

يفضل يشيل شوالات القمح والذرة على ضهره لحد ما ضهره يتكسر، والتراب يعمى عينيه. التُفّار والتجار اللي كانوا زمان بيقفوا يستنوه بالساعات عشان يوقع لهم على صفقة، بقوا دلوقتي بيصرخوا فيه ويشتموه لو أتاخر في تحميل عربية: “اخلص يا حسن! الشونة مش ورث أبوك خلاص!”.. وكان بيسكت، يبلع الإهانة، وياخد الخمسين جنيه اللي بياخدها في آخر اليوم ويرجع بيها. لكن في البيت، كان فيه حاجة بتتغير بالتدريج من غير ما يحس. فدوى قلبت الأوضتين رأساً على عقب. نظفت التراب، غسلت الحيطان، وعملت ستائر بسيطة من ملايات قديمة عشان تداري الشقوق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *