خلفت ٧ مرات زهرة الربيع ٢
لم يتحرك له جفن. لم يطرف له رمش أمام صراخي ونحيبي. بل هز رأسه بأسى مصنّع وخطا خطوة ثانية، يرفع المنديل المشبع بالزيت القاتل نحو وجهي، وقال بصوت حاد يقطر حزماً:
“الفلوس دي هي اللي كانت هتخلينا نعيش فوق الجميع يا سمر. الورث كان مشروط، واللعبة كانت أكبر مني ومنك. والدك ووالدتي والشركاء في الدولة الثانية هما اللي حطوا القواعد دي من ثلاثين سنة، وأنا مجرد منفذ لحكم صادر ومكتوب قبل ما نتجوز حتى. تصوري إيه اللي كان هيحصل لو كنت رفضت؟ كانوا هيرموني في السجن، كانوا هيفضحوا العيلة، وكانوا هيقتلوكي أنتِ قبل ما يقتلوني. أنا كنت بحميكي! كنت بحمي البيت ده!”
“كنت بتحميني بردم أطفالي تحت التراب؟” صرختُ بها وأنا أمد يدي ببطء خلف ظهري فوق سطح المكتب، أفتش بأصابع مرتجفة عن أي شيء يصلح أن يكون سلاحاً في هذه المعركة الفاصلة. وقعت أناملي على المقبض الحديدي الثقيل للمفرم الخشبي الذي استخدمته قبل قليل لكسر قفل الصندوق. كان ثقيلاً، زواياه حادة، ومحسوساً بصلابة في كفي المقبوضة.
استطرد وهو يدنو مني أكثر، وعيناه تضيئان ببريق جنوني مكتوم:
“الأمر انتهى. الشركاء منتظرين الأوراق الأخيرة لإنهاء الملف الثامن والتصديق على الحساب المالي النهائي. الموتة دي هتكون أسرع، ومش هتحسي بأي ألم.. زيهم تماماً. غمضة عين، وهبوط ناعم في عضلة القلب، وسكوت تام. وفي الجنازة، الناس كلها هتقول إن الأم المسكينة ماتت حسرة على ابنها السابع، ومحدش هيفكر يفتح جثة ولا يفحص دم. كل حاجة مترتبة صح.”
في تلك اللحظة المحددة، حين انحنى بجسده للأمام وأمد يده بالمنديل المسموم ليضغطه على أنفي وفمي، والريحة العطرة الخبيثة تخنق أنفاسي، أطلقت صرخة مكتومة نابعة من قاع قهري، ورشقت المفرم الحديدي الثقيل بقوة غشيمة وبأقصى ما أوتيت من قوة مباشرة في منتصف وجهه!
ارتطم الحديد بفك أسنانه وعظمة أنفه بصوت صلب ومكتوم. صرخ صرخة مكتومة وسقط إلى الخلف متراجعا خطوتين، وسقطت القارورة الزجاجية من يده على الأرض لتتهشم على البلاط العاري، ويسكب سائلها البني الفواح في كل أرجاء المكان. تناثر الزيت القاتل فوق السجاد والأوراق، وتصاعدت الرائحة المسمومة بكثافة أعلى جعلت عينيّ تدمعان وحلقي يحترق.

