خلفت ٧ مرات زهرة الربيع ٢

ابتسم ابتسامة باهتة، ملعونة، وقصيرة، ثم أخرج من جيبه قارورة زجاجية صغيرة ذات سائل بني داكن، القارورة ذاتها التي فاحت منها رائحة الزيت الزكي في المدافن، وقال وهو يتفحصها بين أصابعه:

“ما كانش في طريقة ثانية يا سمر. الطفل لما كان بيكمل سنة، كان لازم يتسجل رسمياً ويتاخد بصمات دم وتوثيق جينات عشان التركة تتصرف. لكن لو فضل عايش بعد كده، الهوية المتقاطعة اللي مسجل بيها كانت هتتكشف في الفحوصات الفيدرالية، والشركاء كانوا هيصفونا إحنا الاثنين. أنا كنت بحميكي وبحمي نفسي.. والفلوس اللي دخلت حساباتنا كانت بتأمن حياتنا.”

خطا خطوة أخرى نحوي، وعيونه تتسع بنظرة غريبة لم أرها فيه من قبل. لم تعد نظرة الزوج المكسور، بل نظرة شخص فقد كل ارتباط بالواقع، شخص أصبحت الجريمة بالنسبة له مجرد إجراء روتيني بحت.

استطرد وهو يرفع يديه ببطء مستعرضاً القارورة:
“أنا عملت دا سبع مرات.. وفي كل مرة كنت بقول خلاص دي آخر مرة. بس الفلوس كانت بتزيد، والشركاء كانوا بيكبسوا عليا، والدكاترة في كل مرة كانوا بيأكدوا لك إنها سكتة قلبية وقضاء وقدر من غير ما يشكوا في حبة رمل واحدة. كل حاجة كانت ماشية بانتظام كامل.. لحد ما الورقة الملعونة دي وقعت مني عند القبر.”

أنفاسي كانت تتصاعد وتتحول إلى صراخ مكتوم داخل صدري. تراجعت حتى التصق كتفي بالزاوية الأخيرة من الغرفة، وعيناي تتنقلان بين القارورة في يده وبين باب المكتب المغلق. كنت أعلم تماماً أنني لو لم أخرج من هذه الغرفة الآن، فلن أخرج منها حية أبداً. لقد كشفت السر الذي حماه بدم أبنائه السبعة، ولن يسمح لأحد في هذا العالم أن يهدم المعبد فوق رأسه.

رفع القارورة وفتح سدادته الخشبية، فانتشرت الرائحة العطرة الخبيثة في أرجاء الغرفة الصغيرة، مسدودة منافذ الهواء. نظر إليّ وقال بصوت خفيض يقطر بالبرود:

“أنتِ عرفتي كتير أوي يا سمر.. أكتر من اللي دماغك تقدر تستوعبه. وأنا مش هسمح لسبع سنين من التخطيط والدم إنهم يروحوا في لحظة غضب.”

انتشرت رائحة النبات القاتل في أرجاء الغرفة المغلقة، زكية، دافئة، ونافذة إلى أقصى مجاري التنفس، لكنها بالنسبة لي كانت رائحة الموت الصريح الذي اغتال طفولتي ونهب أحشائي سبع مرات متتالية. انقلبت الغرفة الضيقة إلى ساحة صراع حامي الوطيس بين امرأة مفجوعة لم يعد لديها ما تخسره، ورجل تحول على مدى سبع سنوات إلى مجرد آلة قتل باردة تعبد المال وتخشى الفضيحة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *