١٢ سنة روماني مكرم ١

سقطت الكلمات كالصاعقة على مدحت. التفت إلى أمه التي بدأت تصرخ وتولول، ثم التفت إلى الضابط الذي أكد ببرود ينذر بالجدية:
“قدامكم مهلة لإخلاء الشنط والحاجة الخاصة بيكم بس، شقة الأستاذة هتتسلم ليها ومفيش حاجة تخرج من العفش أو الأجهزة لأنها مثبتة في الفواتير باسمها.”
حاول مدحت الاتصال بريهام عشرات المرات، لكن هاتفها كان مغلواً تماماً في وجهه. شعر لأول مرة بحجم الورطة؛ أين سيذهب بأمه؟ وكيف سيواجه أهل “علا”، العروس الجديدة، الذين اشترطوا شقة مجهزة بالكامل ومستقرة خلال أيام قليلة للزفاف؟ الساعات الأربع مرت كأنها دقائق معدودة، وتحت أنظار أهل المنطقة والجيران الذين تجمعوا يتساءلون ويتهمسون عن طمع العائلة التي أرادت أن تطرد صاحب الحق، اضطر مدحت للحاق بأمه وهو يحمل حقائب ملابسه الشخصية فقط، يجر أذيال الخيبة والفضاحة نحو منزل خاله الضيق في أطراف المدينة.
في المساء، عادت ريهام إلى شقتها برفقة الأستاذ مراد وأخيها الأكبر. فتحت الباب ونظرت إلى البيت الهادئ. لم تكن هناك أدنى رغبة لديها في البكاء. دخلت غرفتها، وأمسكت بهاتفها لتجد رسائل متوسلة من مدحت يحاول فيها استعطافها والاعتذار، ومطالبتها بالموافقة على بيع الشقة وتقاسم ثمنها لكي يخرج من أزمته مع أهل العروس الجديدة.
مسحت ريهام الرسالة ببرود، وقالت لأخيها وللمحامي بنبرة ملؤها التحدي واليقين:
“مدحت فاكر إن الحكاية خلصت عند الشقة.. هما افتكروا إني عشان مابخلفش هكون ضعيفة وأستسلم للذل. خطوتي الجاية مش بس الشقة يا عمي مراد.. حضر قضايا المؤخر، والمقشة، وكل مليم دفعه معايا أو استلفه مني طول الـ 12 سنة اللي فاتوا. أنا هجيب حقي للقافية والنسب.”
ابتسم الأستاذ مراد وقدم لها ملفاً جديداً أخرجه من حقيبته، وقال:
“جهزي نفسك يا ريهام.. رفعنا دعوى خلع ودعوى استرداد كافة الحقوق المالية، وبكرة الصبح النيابة هتوجه له استدعاء رسمي بناءً على بلاغ التبديد اللي قدمناه في قائمة المنقولات الزوجية.”
جلس مدحت على مرتبة قديمة في صالة منزل خاله الضيق، يحيطه صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت أنين أمه وهي تتحسر على ما آلت إليه أمورهم. لم يكن يدرك أن طرده من الشقة بالقوة الجبرية أمام الجيران ليس سوى بداية السيل الذي سيجرف كل ما تبقى من كبريائه وخططه.