على لحم بطني روماني مكرم ٢
أمل بصت لسامح وقالت له بثقة لأول مرة تحس بيها في حياتها:
— أنت كنت فاكر إن ماليش حد.. بس ربنا كان شايل لي حقي ليوم معلوم. السجن قليل عليك يا سامح.
خرجت أمل وإلهام من القسم، وأمل حاسة إن جبل كان على صدرها وبدأ ينزاح. بس الوجع الجواني لسه ما انتهيش.. الشكوك، والخوف من المستقبل، وحقيقة إنها عاشت عمرها كله بتدور على هوية، ولقيتها فجأة في وسط عالم من الثراء الفاحش والانتقام.
لما رجعوا الفيلا، أمل قعدت في الصالة الكبيرة، وبصت لإلهام وقالت:
— يا أمي.. أنتِ جبتيلي حقي من اللي ظلموني في الشارع وفي .. بس أنا لسه ما شفتش اللي سرقوا عمري مني. أنا عايزة أشوف الدكتور طارق والممرضة نعيمة. عايزة أبص في عينيهم وأسألهم: ليه؟
سادت حالة من الصمت الرهيب في الصالة الكبيرة. إلهام بصت لبنتها، وشافت في عينيها نبرة إصرار وتصميم مش مجرد رغبة في الانتقام، دي كانت محاولة لملمة الشتات اللي عاشته أمل 22 سنة. إلهام هزت رأسها بالايجاب، وعرفت إن المواجهة دي هي المشرط اللي هيفتح الدمل القديم عشان ينظف ويرتاح.
في المساء، أخدت إلهام بنتها أمل، ومعاهم قوة حراسة ومحامي العيلة، وطلعوا على المقر الخاص اللي المحتجز فيه الدكتور «طارق» والممرضة العجوزة «نعيمة» تحت حراسة مشددة، قبل ما يتسلموا رسمياً للنيابة العامة في الصباح.
المكان كان عبارة عن قاعة قبو تحت الفيلا المهجورة على طريق الإسكندرية الزراعي. لما اتفتح الباب الحديدي، كان الصوت يرن كأنه جرس إعلان للحساب.
الدكتور طارق كان قاعد على كرسي، هدومه مبهدلة، ووشه شاحب من الرعب والقلة. والممرضة نعيمة كانت قاعدة على كرسي متحرك، بتلهث بصعوبة وجسمها بيلهب من آثار المرض الخبيث اللي بياكل فيها.
أول ما أمل دخلت بطلتها الواثقة، ولابسة الفستان الأسود الفاخر، وفي ودنها الشمال الحسنة الظاهرة، الممرضة نعيمة شهقت شهقة طالعة من قاع صدرها. عينيها اتوسعت وبدأت تترعش وتخبط بإيديها على الكرسي:
— أمل.. الطفلة أمل! والله العظيم هي.. نفس وش حسين الألفي! يا مري.. الذنب جه يوقف قدامي قبل ما أنزل القبر!
أمل قربت بخطوات بطيئة، صوت كعب جزمتها كان بيضرب في أرضية القاعة زي دقات الساعة. وقفت قدام الدكتور طارق، اللي حاول يداري وشه ويبص في الأرض.

