بعد وفاة جوزي زهرة الربيع ١

وقف حازم في منتصف الصالة مشدوهًا، عيناه تتسع تدريجيًا وهو ينظر حوله وغير قادر على استيعاب المشهد. لم تكن الصالة كما تركها بالأمس، ولم تكن أمه كما اعتاد أن يراها على مدار سبعة أعوام.
كل أثاث الغرفة المفضلة لديه كان قد أُعيد ترتيبه، أريكته الأثيرة التي يقضي عليها ساعات في اللعب بهاتفه زُحت إلى أقصى الزاوية، وطاولة الطعام التي كانت تُفرش له عليها أشهى أطباق المطبخ كانت خاوية تمامًا، لا يعلوها سوى كراسة صغيرة وقلم جاف. أما أمه، فكانت تجلس بثبات شديد، ترتدي ملابس الخروج الكاملة، حذاءها في قدمها، وحقيبتها إلى جوارها، تشرب قهوتها المرة بهدوء لم يعهده فيها من قبل. لم تكن هناك دموع في عينيها، ولا شحوب على وجهها، ولا أثر للأم المنكسرة التي تركها بالأمس تبكي خلف الباب المغلق.
ساد صمت قاتل لثوانٍ معدودات، قبل أن يقطعه هو بنبرة حاول أن يجعلها ساخرة ليشغل بها منطقه المتداعي:
* إيه ده؟ هو العفش طار ولا إيه؟ وبعدين إيه اللبس ده على الصبح؟ أنتِ رايحة قابليتيه خلاص ولا إيه الموضوع؟
رفعت رأسها ببطء، نظرت في عينيه مباشرة بنظرة باردة خالية تمامًا من أي عاطفة، نظرة لم يرها منها طوال ١٧ عامًا. أزاحت فنجان القهوة جانباً، وقالت بصوت هادئ جداً، لكنه يحمل وزناً أثقل من جبل:
* العريس أنا رفضته الصبح يا حازم. رفضته مش عشان كلامك، ولا عشان تهديدك الرخيص بإنك تمــ,,ـــــوت بالنسبة لي.. أنا رفضته لأني اكتشفت إني ظلــ,,ـــــمتك لما افتكرت إنك بقيت راجل. اكتشفت إني ربيت طفل أناني، فاكر إن كل اللي حواليه مسخرين لخدمته وبس.
حاول حازم أن يرسم ابتسامة النصر على وجهه، وقال بنبرة فيها غرور الشباب:
* أيوه كده! المظبوط يتعمل، أنتِ عرفتي إن كلامي صح وإن شكلي قدام صحابي كان هيتدمر. كويس إنك لحقتي نفسك ورجعتِ لعقلك.
وقفت أمه بثبات، واقتربت منه خطوتين، لم يتراجع هو لكن ملامحه بدأت تفقد معالم التحدي أمام هيئتها الجديدة. فتحت حقيبتها وسحبت منها مظروفاً ورقياً أبيض وضغطت به على صدـ,,ـــره، ثم رفعت يدها وشارت إلى الورقة والقلم المتروكين على الطاولة.
* اللي في المظروف ده شهادة ميلادك، وصورة بطاقتك، ومبلغ ثلاثة آلاف جنيه. والورقة اللي هناك دي، مكتوب فيها كل مصاريفك اللي جاية. من النهاردة يا حازم، أنت مش “ابن الست اللي ضحت بعمرها”، أنت من النهاردة “الراجل” اللي أطول مني ومن أبوه الله يرحمه، الراجل اللي شايف إن أمه لما تفكر تعيش حياتها تبقى بتمر بمراهقة متأخرة.
قطَع كلامَها بحيرة وجبين مجعد:
* يعني إيه؟ مش فاهم! أنتِ بتديني المصروف بدري يعني ولا إيه؟
ردت بنبرة قاطعة كالحديد:
* لا يا حبيبي، ده مش مصروف. ده كل اللي حيلتي هديهولك كأب وأم لحد ما تمت ١٧ سنة. من أول اللحظة دي، البيت ده بيت إيجار، وأنا صاحبة البيت. اللقمة اللي هتتاكل هنا بالنص، فواتير الكهرباء والمياه والنت بالنص، مصاريف دروسك وثانويتك العامة مسؤوليتك. أنت قلت إنك مش مستعد تستحملني، وأنا بقولك إن الشحط اللي شايف أمه مجرد خدامة ومصدـ,,ـــر فلوس، مش مسموح له يعيش على قفاها ثانية واحدة زيادة.
