بعد وفاة جوزي زهرة الربيع ١

/> تغيرت لون بشرته، وبدأ التوتر يظهر في نبرة صوته وهو يحاول الصراخ مجدداً:
* أنتِ بتلوي دراعي عشان رفضت جوازك؟! بتساوميني على أكلي وشربي؟ أنتِ أمي، وده واجبك غصب عنك!
ابتسمت ابتسامة قصيرة خالية من أي دفء وقالت:
* واجبي كان لحد ما خليتك طول وعرض وتقدر تقول لأمك “عجزتِ ومراهقة متأخرة”. واجبي أنا أديته وزيادة سبع سنين دفــ,,ـــــنت فيهم شبابي. من النهاردة العلاقات بيننا مش حنان وأمومة، العلاقات مسؤولية وأفعال. الراجل اللي يعيب على أمه إنها عاوزة تتجوز، لازم يكون راجل بجد يسد مكان نفسه، مش طفل يجعجع في الصالة ولما يطلب الفطار يستنى أمه تطبخه له.
تركته واقفاً في ذهول متصلب، واتجهت نحو باب الشقة. قبل أن تفتح الباب، التفتت إليه وقالت بنبرة حازمة:
* من النهاردة الغسيل غسيلك، وأكلك من جيبك وطبخك بإيدك. الغرفة بتاعتك حريتك فيها، لكن باقي الشقة مساحتي الخاصة. قدامك شهر واحد تدبر فيه مصاريفك بالنص معايا، يا إما تشوف لك مكان تاني تصرف فيه على نفسك وتثبت فيه إنك راجل بجد، بعيد عن أُمك اللي “عجزت”.
خرجت وإغلقت الباب خلفها بهدوء شديد، ترك صدى صفير الرعب في أذنيه.
وقف حازم في وسط الصالة لخمس دقائق كاملة لا يتحرك. كان يعتقد أن أمه تمثل عليه، أو أنها تحاول ضغطه لتجبره على الموافقة على العريس. ذهب إلى المطبخ وهو يمني نفسه بأنه سيجد إفطاره كالمعتاد، لكن المطبخ كان نظيفاً تماماً، خاوياً من أي طبق محضر. فتح الثلاجة، وجد أكلها الخاص مغلفاً ومكتوباً عليه اسمها، والرف السفلي خاوٍ تماماً إلا من بعض الأساسيات البسيطة التي تركتهما له مع المظروف.
استشاط غضباً، ودخل غرفته وأغلق الباب بقوة.
* ماشي يا أمي.. بتمثلي؟ نشوف مين اللي هينكسر الأول! أنتِ فاكرة إنك كده بتخوفيني؟ أنا مش محتاج حد!
مر اليوم الأول في العناد. قضى حازم يومه في الشارع مع أصدقائه، ينفق من الثلاثة آلاف جنيه التي تركتها له بغزارة، يتصنع أمامهم أنه السائد والآمر في بيته. كان يضحك بصوت عالٍ، ويردد عبارات مثل: “الأمهات دول بيكبروا الموضوع وخلاص”، لكن قلبه كان ينبض بسرعة كلما تذكر نبرة صوتها الباردة.
عندما عاد في السابعة مساءً، كان يتوقع أن يجدها منتظرة عند الباب والدموع في عينيها لتصالحه. لكنه عندما فتح الباب، وجد الشقة مظلــ,,ـــــمة وهادئة. أمه كانت في غرفتها، الباب مغلق، وصوت تلفازها يعمل بهدوء. لم تخرج لتقول له “تأخرت ليه؟”، لم تسأله إن كان أكل أم لا، ولم تضع له طبق عشاء.
دخل المطبخ، حاول أن يصنع لنفسه أي شيء. اكتشف أنه لا يعرف كيف يشعل البوتجاز بطريقة صحيحة دون أن يحــ,,ـــــرق الأكل، ولا يعرف أين توجد البهارات. أكل بعض الجبن الخفيف ونام وهو ينشب أظافره في الوسادة من الغيظ.
في الصباح التالي، استيقظ حازم على صوت حركة في الصالة. خرج وهو يفرك عينيه، متوقعاً أن السحر قد زال وأن أمه عادت لرشدها. لكنه وجد شخصاً غريباً في الشقة! كان هناك سباك يقوم بإصلاح حنفية المطبخ التي كانت تسرب المياه منذ أشهر وكانت أمه تترجاه ليحضر لها سباكاً وهو يؤجل ويتحجج بالكسل.
دفعت أمه الحساب للسباك من مالها الخاص، وشكرته بهدوء ثم أغلقت الباب.
نظر إليها حازم بغضب:
* إيه ده؟ جايبة راجل غريب البيت وأنا نايم؟
التفتت إليه وهي تطوي النقود المتبقية:
* المكان ده بيتي، وبصلح اللي بايظ فيه بفلوسي. لو كان فيه راجل يعتمد عليه في البيت ده، كان صلح الحنفية من أربع شهور لما طلبت منه. بس بما إن مفيش، فبقيت بأمر أموري بنفسي.
شعر حازم بصفعة معنوية أقوى من سابقتها. اتجه نحو الثلاجة ليأخذ عصيراً، فقالت له ببرود:
* العصير ده أنا اللي شارياه بفلوسي. المظروف بتاعك فيه فلوسك، انزل السوبرماركت واشتري حاجتك بنفسك.
توقف يده في الهواء، ينظر إليها بعينين متسعتين:
* أنتِ بتعامليني كده ليه؟! أنا ابنك! ابنك الوحيد! أنتِ بقيتِ قاسية كده إزاي في يوم وليلة؟ عشان راجل غريب؟
أطالت النظر في وجهه، ثم قالت بصوت منخفض ومحمل بأسى عميق:
* لا يا حازم.. مش عشان راجل غريب. أنا بقيت كده عشان اكتشفت إني أنا اللي قسيت عليك لما دعتلك كل حاجة على طبق من فضة. قسيت عليك لما خليتك تتخيل إن تضحية أُمك بعمرها وشبابها دي حق مكتسب ليك، وإنك تقدر تدوس على مشاعرها وكرامتها وتوصف تعبها بإنه “مراهقة متأخرة” لمجرد إنها افتكرتك بقيت راجل وهتفرح لها. أنا مش بقسى عليك.. أنا بعلمك اللي كان المفروض تتعلمه من سبع سنين. بعلمك إن اللي ما يحترمش تضحيات الناس، ما يستاهلش حنيتهم.
تركته واقفاً وذهبت إلى عملها.
مرت الأيام الخمسة الأولى كأنها كابوس بالنسبة لحازم. الفلوس التي كانت في المظروف بدأت تتناقص بسرعة جنونية بين مصاريف الدروس الخصوصية، والوجبات السريعة التي كان يشتريها لأنه لا يعرف كيف يطبخ، وشحن هاتفه. بدأ يدرك لأول مرة في حياته كم تكلف الحياة اليومية من مال وجهد.
كان يعود إلى البيت فيجد كل شيء نظيفاً في مساحة أمه، بينما غرفته أصبحت مزبلة من الملابس المتسخة التي لا يعرف كيف يغسلها بالغسالة الأوتوماتيك. حاول مرة أن يضع ملابسه مع ملابسها في الغسالة، فوجد ملابسه ملقاة على سر,,ـــــيره كما هي، لم تُغسل.
جلس على سر,,ـــــيره في اليوم السادس، ينظر إلى الملابس الكثيرة المتراكمة، وإلى كشكول الدروس الذي يطالبه الأستاذ بدفع مصاريف الشهر الجديد غداً، وإلى جيبه الذي لم يعد فيه سوى بضع جنيهات لا تكفي حتى لشراء وجبة واحدة.
بدأ الكبرياء الزائف الذي كان يتسلح به يتهاوى قطعة قطعة. تذكر أمه كيف كانت تعود من عملها في أشد درجات التعب، وتدخل المطبخ لتطبخ له ما يحب، ثم تجلس معه لتراجع دروسه، وتغسل ملابسه ليكتسي بأحسن حلة أمام أصدقائه. تذكر كيف كانت ترفض شراء أي شيء لنفسها لتوفر له ثمن حذاء جديد أو رحلة مع المدرسة.
تذكر كلماته البشعة التي ألقاها في وجهها: “مراهقة متأخرة”، “عجزتِ”، “اعتبري ابنك مات”.
انسكبت أول دمعة حقيقية من عينيه، ليس بسبب الجوع أو العجز، بل بسبب حجم البشاعة التي تصرف بها مع الإنسانة الوحيدة التي أحــ,,ـــــرقت عمرها لأجله.
خرج من غرفته ببطء في وقت متأخر من الليل. كانت الصالة مظلــ,,ـــــمة، ونور خفيف يخرج من زاوية باب غرفة أمه. اقترب من الباب بخطوات مترددة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *