بعد وفاة جوزي زهرة الربيع ١

سمع صوت أنين خافت جداً.. أمه كانت تبكي.
لم تكن تبكي أمامه لكي لا تكسر الدرس، لكنها كانت تبكي في الليل على ولدها، وعلى العمر الذي مضى، وعلى القسوة التي اضطرت لارتدائها لتنقذ عقله ونفسه من الأنانية.
وقف حازم أمام الباب الموارب، يده ترتجف على المقبــ,,ـــــض. سقطت دموعه بكثرة على صدـ,,ـــره. امتزج الخجل بالندم بالخوف من أن يكون قد خسرها إلى الأبد.
رفع يده وطرق الباب طرقتين خفيفتين جداً، ثم فتح الباب ببطء.
كانت تجلس على طرف السر,,ـــــير، تمسح دموعها بسرعة وتحاول استعادة هيئتها الصارمة. لكن حازم لم ينتظر حتى تتكلم.
سقط على ركبتيه عند قدميها، وأمسك بيدها يغطس وجهه فيهما وهو يبكي بكاءً هستيرياً هز جسده بالكامل:
* سامحيني يا أمي.. وحياة أغلى حاجة عندك سامحيني! أنا غبي.. أنا جزمة في رجلك! أنا أقسم بالله ما كنت فاهم حاجة.. الفلوس خلصت، وأنا مش عارف أعيش من غيرك، ومش عارف أكون راجل أصلاً من غير ما أتعلم منك!
لم تتحرك أمه فوراً، ظلت يدها جافة في يده، تدعه يفرغ كل الشحنة من الندم والطفولة المتبقية فيه.
واصل كلامه بصوت متقطع بالبكاء:
* أنا آسف على كل كلمة قلتها.. أنتِ مش عجوزة، أنتِ أحلى وأعظم ست في الدنيا. وأنا مش من حقي أتحكم في حياتك ولا أقولك تعملي إيه.. لو عايزة تتجوزي الراجل ده بكره أنا اللي هاجي معاكي وأمسك إيدك، بس بلاش تبصيلي النظرة دي تاني.. بلاش تعامليني كأني غريب، أنا يمــ,,ـــــوت جسمي ولا إنك تبصيلي بالبرود ده!
رفعت أمه رأسه ببطء، نظرت في عينيه الدامعتين، ورأت لأول مرة نضجاً حقيقياً يولد من رحم الصدمة. أزاحت شعره عن جبهته، وقالت بصوت هادئ يحمل مزيجاً من الحنان والصرامة:
* قوم يا حازم.. اقف على حيلك. الراجل ما يبكيش تحت الرجلين، الراجل يتصلح خطأه بالأفعال مش بالدموع.
وقف حازم وهو يمسح دموعه كالطفل الصغير، ينظر إليها بانتظار حكمها.
قالت له وهي تنظر في عينيه بتركيز:
* العريس ده موضوع وانتهى، أنا رفضته لأني اكتشفت إن بيتي محتاج يترتب الأول. لكن الدرس مش هينتهي هنا يا حازم. أنت من النهاردة هتتأهل بجد تبقى راجل. الفلوس اللي هتصرفها هتعرف بتيجي إزاي، والأكل اللي بتاكله هتتعلم تتعبه إزاي، والاحترام اللي بتقدمه لأمك هيكون مبدأ مش تفضل منك.
أومأ رأسه بلهفة شديدة وهو يقول:
* موافق.. والله العظيم موافق على أي حاجة تقوليةا! بس أرجوكِ ارجعي أمي.. ارجعي اطبخيلي وكلميني زي زمان.
ابتسمت أمه ابتسامة خفيفة، ظهرت فيها لمحة من الدفء القديم، لكنها كانت ممزوجة بقوة جديدة لم ينزعها أحد منها بعد اليوم:
* هطبخلك يا حازم.. بس أنت اللي هتغسل الأطباق. وهنقسم مصاريف البيت، وهتشتغل في الإجازة عشان تعرف القرش بيجي إزاي. والنهاردة.. هتقعد على الطاولة دي، وتعتذر لي اعتذار يليق بالسبع سنين اللي أنا أكلت فيهم الصخر عشان أصل بيك للنقطة دي.
انحنى حازم وقبل رأسها ويدها بدموع راضية، مجروراً من طفولته الأنانية إلى أعتاب الرجولة الحقيقية، مدركاً أن أمه لم تحرمه من حنانها قسوةً، بل أنقذته من أن يصبح مسخاً لا يعرف معنى العطاء.


