طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع ٣

قاطعتها والدتي بلهفة: “تمشي فين يا بنتي في الفجر ده؟ خليكي مع جوزك…”

“إحنا اطلقنا يا طنط.” قالتها هيام بنبرة حاسمة ولكنها شديدة الأدب، ثم التفتت لتغادر الغرفة.

لم أتحمل أن ترحل هكذا. خرجت خلفها مسرعاً في ممرات المستشفى الطويلة والمظلمة التي تفوح منها رائحة المطهرات والموت. ناديت عليها بصوت مخنوق: “هيام! أرجوكي استني.. دقيقة واحدة بس.”

توقفت في نهاية الممر عند السلم، ولم تلتفت إليّ، بل ظلت معطية لي ظهرها. اقتربت منها وقلبي ينبض بعنف: “أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي، أنا عارف إن ماليش حق.. بس عايز أفهم، ليه عملتي كده؟ ليه جيتي لـ أبويا بعد كل اللي عملته فيكي وفي كرامتك؟”

التفتت إليّ ببطء، ونظرت في عيني مباشرة، وقالت بنبرة هادئة كأمواج البحر: “أبوك ملوش ذنب يا أحمد. عم الحج “مكرم” كان دايماً بيعاملني كبنت ليه، وكان بيكلمني يطمن عليا ويدعيلي حتى بعد ما اطلقنا. أنا جيت عشان الأصول وعشان الراجل الطيب ده، مش عشانك أنت.. أنت بره الحسبة دي تماماً.”

أحنيت رأسي خجلاً، وقولت بصوت مبحوح: “أنا اتعلمت الدرس يا هيام. الوجع اللي عشته في الشهر اللي فات، والكسرة اللي حستها لما افتكرت نفسي مريض، غيرتني بجد. أنا كسرت المرايات اللي في بيتي كلها لأني مكنتش طايق أشوف الوش الأناني اللي جرحك.”

نظرت إليّ طويلاً، ثم تنهدت وقالت: “التغيير ده ليك أنت يا أحمد، مش ليا أنا. كويس إنك بدأت تشوف الدنيا صح، بس ده مش معناه إن اللي انكسر ينفع يتصلح. فيه حاجات لما بتموت، مفيش أي ندم في الدنيا بيحييها تاني.”

تركتني ونزلت درجات السلم بخطوات ثابتة، بينما وقفت أنا في الممر المظلم، حزيناً ولكن لأول مرة أشعر بنوع من السلام. لقد كانت صادقة؛ مجيئها لأبي كان يمثل نقاء روحها التي حاولت تشويهها، وجعلني أدرك أن طريقي نحو الخلاص لا يبدأ بالاستجداء لتعود إليّ، بل يبدأ بأن أتعلم كيف أكون إنساناً يشبهها في نبلها.

عدت إلى غرفة أبي، وقضيت الأيام الثلاثة التالية بجانبه في المستشفى. كنت أخدمه، وأغسل قدميه، وأساعد والدتي، وأتعامل مع الممرضين والأطباء دون أن أهتم بمظهري أو بملابسي التي تجعدت واتسخت. لم أعد “أحمد البيه”؛ كنت مجرد ابن يحاول إنقاذ أبيه، وإنسان يحاول تكفير ذنوبه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *