طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع ٣

تسمرت في مكاني وأنا أراقبهم. هذا الرجل كان يفعل ما عجزت أنا عن فعله. كان يحمي شريكته، بينما أنا كنت الجلاد. لم أحتمل المشهد، قمت ودفت الحساب وخرجت مسرعاً والدموع تطير من عيني.

وفي المساء، رن هاتف المنزل الأرضي.. لم يكن أحد يتصل عليّ في هذا الهاتف إلا شخص واحد نسيت وجوده تماماً. رفعت السماعة، فجاءني صوت والدتي الباكي من الصعيد:

“أحمد.. إلحقني يا ابني.. أبوك تعبان جداً في المستشفى والدكاترة بيقولوا محتاج عملية خطيرة في القلب فوراً.. لازم تيجي يا ابني.”

شعرت ببرودة تجتاح جسدي مجدداً. هل هي مصيبة أخرى؟ أم أنها بداية طريق طويل ومختلف تماماً؟ لملمت أشيائي بسرعة البرق، ونزلت متجهاً إلى موقف السيارات للسفر إلى أسيوط، وأنا لا أعلم ماذا ينتظرني هناك، وهل سأجد في هذه الرحلة فرصة لخلاص روحي أم انكساراً جديداً؟

وعندما وصلت للمستشفى في الفجر، ودخلت العناية المركزة.. تيبست في مكاني وأنا أرى من يجلس بجانب سرير أبي يمسك بيده ويقرأ له القرآن..

## الجزء السادس: خيوط الغفران في غرف العناية

تراجعت خطوة للخلف وأنا أكاد لا أصدق ما تراه عيناي في ضوء الفجر الخافت المنبعث من نافذة غرفة العناية المركزة. كانت هناك، تجلس على مقعد خشبي متهالك بجانب سرير أبي، ممسكة بيده المصابة بإبر المحاليل، وتقرأ القرآن بصوت عذب خاشع يملأ الغرفة الساكنة بالس*كينة.

هيام..

انقطع صوتها فجأة عندما شعرت بحركتي. التفتت إليّ ببطء، وكانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة دون أي مساحيق، والبقع البيضاء على وجهها وكفيها تبدو تحت إضاءة المستشفى المعقمة كأجزاء من نور، ولم تعد تثير في نفسي سوى شعور هائل بالخزي والندم.

وقفتُ مكاني عاجزاً عن النطق، بينما هرعت والدتي نحوي وهي تبكي وتضمّني: “أحمد.. يا ابني الحمد لله إنك جيت. هيام يا ابني أول ما عرفت إن عمها تعبان سابت كل حاجة وجات جري من بندر أسيوط للمستشفى هنا.. مسبتناش لحظة واحدة، وهي اللي خلصت ورق الدخول وحجزت مع الدكتور.”

نظرتُ إلى هيام وعيني مليئة بالدموع المستجدية، لكنها لم تنظر إليّ بنظرة عتاب أو كره، بل كان وجهها يحمل هدوءاً غريباً، هدوء الموتى الذين لم يعد يربطهم بالأحياء أي عاطفة. قامت من مكانها بهدوء، وعدّلت الغطاء على جسد أبي المريض، ثم قالت لوالدتي بصوت منخفض: “الحمد لله على وصول أحمد يا طنط.. أنا كده اطمأنيت على عمي، وهستأذنكم عشان ألحق الميكروباص وأرجع لأهلي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *