طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع ٣

تابعت هيام وهي تمسح دموعها بقوة وثبات غير طبيعي:

“أنا بالأمس بكيت عليك.. بكيت لأن قلبي لسه كان فيه حتة غبية بتحبك ومتحملتش تشوفك مكسور. لكن النهاردة؟ أنا بشكر أخويا وبشكر ماجد وبشكر كل ثانية عشتها في الوهم ده، لأنها ريحت قلبي من ناحيتك تماماً. أنت من اللحظة دي متهمنيش.. سليم، مريض، جميل، مشوه.. أنت بقيت بالنسبة لي مجرد “لاشيء”.”

التفتت لترحل، فاندفعت وأمسكت بذراعها: “هيام.. اعطيني فرصة واحدة أثبتلك فيها إني هتدمر من غيرك، أنا مش عايز صورتي المثالية، أنا عايزك أنتي!”

نفضت يدها من يدي بقوة وقالت وعينها في عيني بثقة تزلزل الأرض:

“الصورة المثالية بتاعتك اتمزقت خلاص يا أحمد. أنت دلوقتي واقف قدامي عاري تماماً.. وشك نظيف أه، بس روحي أنا هي اللي شافت قذارة روحك. الفرص دي بنديها للبشر.. مش للمظاهر المتحركة.”

تركتني ومشيت، خطواتها كانت ثابتة، رأسها كان مرفوعاً، وكأنها في كل خطوة تدوس على بقايا حكايتنا وتدفنها تحت التراب. وقفت مكاني أراقب طيفها وهو يختفي داخل المبنى، وشعرت لأول مرة بمعنى “النبذ الحقيقي”. البهاق لم يشوهها، بل زادها هيبة وشجاعة، بينما أنا، بوجهي الخمرية “المثالي”، كنت المسخ الوحيد في ذلك المكان.

عدت إلى الشقة، كانت النظافة تحيط بي من كل جانب، المرايا تعكس الشاب الوسيق الأنيق.. لكنني لم أتحمل النظر لنفسي. أحضرت شاكوشاً صغيراً من المطبخ، وذهبت إلى مرآة الحمام الكبيرة، وضربتها بكل قوتي.

تطاير الزجاج في كل مكان، وجرحت شظية صغيرة جبهتي ل يسيل منها خط من الدم الحار. نظرت إلى انعكاسي المشوه وسط الزجاج المكسور، وجلست وسط الحطام وأنا أدرك أن عقابي الحقيقي قد بدأ الآن. أنا سليم جسدياً، نعم.. ولكن كيف سأعيش مع هذا “القلب المشوه”؟ كيف سأقنع نفسي بأنني أستحق الاحترام؟

مر شهر كامل.. تحولت فيه إلى إنسان آلي. أذهب للعمل، أؤدي واجباتي، وأعود للشقة المظلمة. قاطعت كل أصحابي ما عدا ماجد، الذي كان يزورني من وقت لآخر ليطمئن أنني لم أنتحر. وفي يوم من الأيام، وبينما كنت جالساً في مقهى صغير بعيد عن منطقتي، دخلت عائلة صغيرة.. رجل وزوجته وبنت صغيرة.

كانت الزوجة ترتدي قفازات في يدها وتحاول إخفاء وجهها خلف نظارة كبيرة، وكان واضحاً عليها علامات الإحراج والتوتر، بينما كان زوجها يمسك يدها بحب ويتحدث معها ويضحك بصوت عالٍ ليشتت انتباهها عن نظرات الناس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *