ثلاث سنين روماني مكرم ١

أمي وأبويا رموا نفسهم تحت رجلي، وأمي بتبوس إيدي: “أخوكي قلبه خفيف ومش حمل بهدلة، وإحنا عمرنا ما هننسى لك الجميل ده”.

حتى سماح، اللي كانت لسه عروسة جديدة وذهب شبكتها بيلمع في إيدها، قعدت تترعش وتقول: “هكحل عيني بتراب رجلك وهشيلك فوق راسي طول عمري”.

وعشان غبائي وقلبي الطيب، كذبت على النيابة وقلت أنا اللي كنت سايقة. بعت عربيتي، وخسرت شغلي، وصرفت كل قرش حيلتي على القض..ية، ودخلت السجن مكان أخويا..

ثلاث سنين وأنا بستحمل قهر السجون، وأبلع الإهانة، وأقول لنفسي: “معلش، كلو هيهون أول ما أرجع لحضن أهلي”.

خبطت على الباب، فتحت أمي.. ولثانية واحدة شفت الخوف في عينيها قبل ما ترسم على وشها ضحكة صفرا وتقول: “ميادة يا حبيبتي! حمد الله على السلامة”.

وقبل ما أمد إيدي أحضنها، طلعت لي سماح ببطنها اللي في الشهر السادس، وفي إيدها بخاخ مطهر كأنها بتبخ على صرصار، وقالت لي: “عندك عندك! معلش يا ميادة، ريحة السجن بتلزق ولازم نطهر البيت عشان البيبي”.

دخلت الصالة وأنا كلي كسرة، لقيت أبويا قاعد بيقرا الجرنان، لا قام من مكانه ولا خدني في حضنه، بص لي من فوق النظارة وقال ببرود: “وصلتي بالسلامة؟”

مشيت ناحية أوضتي.. الأوضة اللي كنت بشوفها في أحلامي كل ليلة، لقيتها اتقلبت مخزن كراتين وهدوم أطفال وعربية بيبي مركونة في الركن. سريري اختفى، كتبي، شهادات تخرجي، وحتى صوري القديمة مع يوسف شالوها، كأنهم بيمسحوا اسمي من الدفتر!

قلت لأمي وعيني مليانة دموع: “حاجتي فين يا أمي؟”

بصت في الأرض وقالت بلجلجة: “أغلبها باظ من التراب والفئران ورميناه.. وبعدين يا بنتي كان لازمتها إيه؟”

في الوقت ده خرج يوسف من أوضته، أخويا اللي ضيعت عمري عشانه.. بصيت له وقلت: “قولهم يا يوسف إني هقعد في أوضتي، أنا تعبانة وعايزة أرتاح”.

بص لمراته وبعدين لأمي، وقال بلؤم: “حاولي تقدري الموقف يا ميادة، البيت دلوقتي اتكتب باسمي عشان الأمان”.

زعقت فيه: “أمان إيه؟ أنا دخلت السجن ووضعت اسمي في الطين عشانكم!”

ردت سماح بمنتهى البجاحة: “إنتِ اللي وافقتي بمزاجك، محدش ضربك على إيدك”.

ساعتها بس فوقت، وعرفت إن السجن الحقيقي ما كانش في القناطر.. السجن الحقيقي هو البيت اللي ملوش أمان، واللي ناسه قلوبهم حجر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *