مراتي وقفت جنبي منى السيد ٣

فتحت الباب وخرجت.. نزلت السلم وأنا حاسس إن جبل كان على صدري وانزاح، وفي نفس الوقت روحي بتتسحب مني. نزلت الشارع، مشيت وسط الناس وأنا مملكش غير لبسي اللي عليا وكام جنيه في جيبي.. بس لأول مرة من سنين، حسيت إني مش خايف من الفقر.

وفجأة.. وأنا ماشي على كورنيش النيل، سمعت صوت جري ورايا.. صوت نفس عالي ومخنوق.. لتفت ورايا وأنا مش مصدق..

كانت نجوى!

كانت بتجري وهي ماسكة ورقة الطلاق في إيدها، ووشها غرقان دموع.. وقفت قدامي وهي بتنهج، وبصتلي بنظرة عمرها ما فارقتني.. النظرة اللي كانت بتبصلي بيها وأنا داخل عليها بعشا بسيط وأنا مكسوف.

رفعت ورقة الطلاق في وشي وقالت بصوت بترعش وهز كياني: “فاكر إنك لما تسيبلي الفلوس وتمشي هتبقى صغرتني؟ فاكر إني وافقت على الطلاق عشان أعيش بفلوسك؟ أنا قولتلك ماليش عندك غير ورقة طلاق عشان أشوف هتهون عليك تسيبني فعلاً ولا لأ.. وإنت هنت عليا يا أحمد.. هنت عليا وطلقتني!”

دموعي نزلت وقولت: “أنا عملت كده عشان كرامتك.. عشان أرجعلك حقك!”

زعقت وهي بتبكي بحرقة ورمت الورق كله في النيل قدام عينيا: “حق مين وفلوس مين!! أنا كان حقي عندك إنت.. كرامتي كانت في حضنك إنت.. أنا عيشت معاك على المرة ومشتكيتش، ولما ربنا كرمك بالوش الحلو كنت مستعدة أستحمل غبائك.. بس تطلقني؟ تبيعني بالسهولة دي عشان تريح ضميرك؟”

قربت مني، ولمست إيدي اللي كانت بترعش، وقالت بنبرة صفت كل وجع السنين في ثانية واحدة: “الفلوس اللي رمتها في النيل دي مش بتاعتي ولا بتاعتك.. إحنا هنرجع من الصفر يا أحمد.. هنرجع للشقة القديمة، والمشروع الصغير.. والسفر اللي برة مصر ده هسافره معاك وإنت موظف بسيط بتستلف عشان تجيبلي العلاج.. عشان لما ربنا يرزقنا بالطفل اللي نفسي فيه.. يعرف إن أبوه وأمه بدأوا من الكام جنيه، ورجعوا للكام جنيه.. بس عمرهم ما سابوا إيد بعض.”

حضنتها في وسط الشارع وأنا ببكي زي الطفل الصغير.. عرفت إن الرزق الحقيقي مش في الخزنة ولا في البنوك.. الرزق الحقيقي هو الست اللي لما الدنيا كلها تبيعك وتغريك.. ترفض الملايين، وتختار “الكام جنيه” اللي في جيبك.. عشان تعيش معاك “فريق واحد” لأخر العمر.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *