مراتي وقفت جنبي منى السيد ٣

“الفلوس اللي إنت جاي تتنازل عنها دي، إنت مش بتقدمها ليا.. إنت بتشتري بيها راحة ضميرك، وعايز تدفع تمن ذنبك عشان تنام بالليل مستريح. وأنا كرامتي وصحتي والنوم اللي طار من عيني مش للبيع. ورق ممتلكاتك ده خده واطلع بيه برة، أنا ماليش عندك غير ورقة طلاقي، وساعتها بس هبقى مسمحاك.. مسمحاك لأني هكون اتخلصت من أكتر بني آدم ظلمني في حياتي.”

دخلت أوضتها ورزعت الباب وراها.. الصوت سمع في كل ركن في بيت أهلها، وكأنه كان إعلان نهاية السنين اللي عشناها سوا.

قمت من على الأرض وأنا حاسس إني عريان.. عريان من مالي، ومن كبريائي، ومن الست اللي كانت سند ومأوى ليا في الدنيا. لميت الورق اللي اترمى في وشي، وبصيت لحماتي وأخوها محمود اللي كانوا واقفين مصدومين من الحقيقة ومن قوة نجوى. محمود اللي كان عايز يضربني من شوية، بصلي بإشفاق وقالي بلهجة هادية: “خلاص يا أحمد.. سيبها دلوقتي، الكلام معاها وهي في الحالة دي مش هيجيب نتيجة.. اطلع برة وسيبها لربنا.”

خرجت من البيت وأنا تايه في شوارع أسيوط.. مكنتش عارف أروح فين.. ركبت عربيتي وفضلت سايق من غير وجهة، لحد ما لقيت نفسي واقف قدام النيل.. الهوا كان ساقع، والضلمة بدأت تنزل، وتليفوني مكنش بيبطل رن.. كانت أمي.

رديت عليها بصوت ميت، مكنش فيه حيل حتى للعتاب: “عايزة إيه يا أمي؟”

قالتلي بلهفة: “إيه يا أحمد؟ عملت إيه مع صاحبك؟ البنت اللي قولتلك عليها جاهزة وأهلها مستنيين نحدد ميعاد عشان نروح نخطبها.. فكك من نجوى بقا وخلينا نفرح بيك وبالعيال اللي يشيلوا اسمك!”

ضحكت.. ضحكت بصوت عالي والناس في الشارع بدأت تبص عليا.. ضحكت لحد ما دموعي نزلت، وقولتلها: “مبروك يا أمي.. افرحي.. نجوى طلعت سليمة، ومفيهاش أي عيب.. العيب كان في المعمل والتحاليل.. نجوى اللي كنتوا بتعايروها بالخلف وتزنوا عليا عشان أسيبها، طلعت هي اللي بريئة.. وأنا دلوقتي خسرتها، وخسرت كل حاجة.. ارتاحي بقا.”

قفلت السكة في وشها قبل ما تسمع الرد، ورميت التليفون في النيل.. مكنتش عايز أسمع صوت حد، ولا نصيحة من حد. قعدت على الرصيف وسندت راسي على دريكسيون العربية وأنا باصص لورق التنازل عن الأملاك.. فجأة جالي فكرة.. فكرة أخيرة ومجنونة.. لو نجوى مش عايزة ترجعلي كزوج، ولو مش عايزة تاخد الفلوس كـ “تمن لكرامتها”.. أنا هجبرها تاخدها بطريقة تانية.. طريقة تخليها متقدرش ترفض، حتى لو فضلت تكرهني لبقية عمرها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *