الطمع روماني مكرم ٥

### الجزء العاشر: تذاكر الخلاص
مرت الأسابيع سريعة ومحملة بالخير، وجاء اليوم الموعود الذي انتظرته العائلة طويلاً. في الشقة الجديدة الهادئة، كانت الحقائب الكبيرة مرصوصة في الصالة، وجوازات السفر وتذاكر الطيران المتجهة إلى سيدني بأستراليا موضوعة على الطاولة، تلمع تحت ضوء الصالة وكأنها صكوك الخلاص والأمان.
أنهى “مدحت” كافة إجراءات السفر والإقامة لزوجته “صباح” وابنتها “نورا” وجميع أولاده، بما فيهم “منة” التي كانت تطير من الفرحة وهي ترى حلم العيش في سلام مع والدها وخالتها يتحقق. نورا كانت تحتضن كتبها وملازم الثانوية العامة، بعد أن رتب لها مدحت كل شيء لتكمل دراستها هناك في أرقى المدارس، وتستعد لتحقيق حلمها بأن تصبح دكتورة.
وقفت صباح وسط الصالة، نظرت للشقة التي شهدت أيام زواجها الهادئة، ثم نظرت لمدحت وقالت والدموع تترقرق في عينيها:
* “مش مصدقة يا مدحت يا خويا.. رجل برة ورجل جوة، والطيارة فاضل عليها ساعات.. سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال! كنا فين وبقينا فين!”
مدحت ابتسم واقترب منها، مسك إيدها بحنان وقال:
* “ربنا مب يضيعش حق حد يا بنت الأصول. أنتي صنتي الأمانة ورضيتي بالقليل، فربنا عوضك بالخير كله. أستراليا مستنيانا، وهناك هنبدأ حياتنا من جديد، عيلة واحدة في ضهر بعض، والـ 2000 دولار اللي كانوا هنا بيعملوا مشاكل، هناك هيربوا العيال في أحسن عيشة.”
منة ونورا جريوا عليهم واحتضنوهم، والضحكة صافية وطالعة من القلوب لأول مرة من سنين.
### المواجهة الأخيرة على عتبة السفر
نزل الجميع إلى الشارع، حيث كانت سيارة الأجرة الكبيرة تنتظرهم لتنقلهم إلى مطار القاهرة الدولي. وضع السائق الحقائب في الحقيبة الخلفية، وركبت البنات وهما ينظران من النافذة بشوق للمستقبل.
وقبل أن تركب صباح بجانب مدحت، لمحت من بعيد سيدة تقف على أول الشارع، ترتدي عباءة سوداء دبلانة، ووجهها شاحب وعيناها مليئتان بكسرة غريبة مخلوطة بالذهول.. لقد كانت “سعاد”!
سعاد عرفت بطريقتها موعد السفر، وجاءت لتلقي النظرة الأخيرة. لم تأتِ هذه المرة بالشر أو النار، بل جاءت مكسورة بعد أن علمت بالصدفة من أخوها أن الـ 5000 جنيه التي تصلها كل أول شهر وتستر بيتها، ليست من فاعل خير مجهول، بل هي من عرق جبين مدحت وبأمر وتنازل من أختها صباح!

