خطيب بنتي زهرة الربيع ٤
طف والتهديد بمية النار، وادي جثة صفية رضوان اللي قولتوا إنها هربت من تلاتين سنة طلعت من تحت طوب البدروم اللي بنيتوه بإيديكم! عندك إيه تقوليه قبل ما نوجهلك تهمة الق. تل العمد مع سبق الإصرار والترصد والتزوير وإخفاء جثة؟!”نظرت عبلة إلى الرفات، ثم نظرت إليّ وأنا أقف بجوار ابنتي حنان التي كانت تحتضن أباها المنكوب، وفجأة، تحولت نظرة الرعب في عيني عبلة إلى هستيريا جنون مطبق؛
ضحكت بصوت عالٍ مجنون ملأ الشارع كله، ضحكة متقطعة تشبه نعيق الغربان، وبدأت تنتف شعرها وتلطم صدرها وتصرخ بأعلى صوتها: “أنا مق. تلتهاش لوحدي! محمد هو اللي خنقها بإيديه وهي نايمة عشان كانت عايزة تبيع نصيبها وتتجوز وتسيب البيت! ومحمد هو اللي حط السم لأبوه عشان كان هيكتب العمارة لأحمد! ومحمد مش مشلول… محمد بيمثل في المستشفى عشان يهرب من حبل المشنقة، ومحمد معاه مفتاح الخزنة التالتة اللي فيها نص مليون دولار دهب مسروق من ورث العيلة في شقة تانية في الهرم.
.. وأنا مش هموت لوحدي، الكل هيدخل معايا القبر!”وفي غمرة هذا الاعتراف الذي زلزل أركان الجميع، توقفت دراجة نارية مسرعة أمام الكردون الأمني ونزل منها شاب يرتدي زي المستشفى الأبيض يلهث بشدة، وركض نحو الضابط عصام وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه الضابط ينقبض بدهشة مرعبة، ثم التفت الضابط نحو النيابة والجميع وقال بصوت مرتجف غير مصدق: “محمد مش في المستشفى… محمد هرب من العناية المركزة في القصر العيني بعد ما غافل الحراسة، وشهود شافوه داخل عمارة تانية في الحي المجاور ومعاه سلاح ناري.
.. ومتجه دلوقتي لمكان تاني خالص مكنش على بال حد فينا!”سقطت الكلمات على رؤوسنا كأن السماء انشقت وأمطرت حجارة من سجيل. التفت الحاضرون جميعاً في حالة شلل تام، حتى عبلة الملقاة في الأغلال توقفت ضحكتها الهستيرية فجأة، وفتحت فمها كالمصروعة، وعيناها تجحظان كأن ملك الموت يقبض روحها ببطء، وهمست بصوت متحشرج: “هرب؟! محمد هرب وسابني أتحاكم لوحدي؟! هرب وخد الخزنة والدهب وضحى بيا وببنته المشوهة في المستشفى؟!”لكن الضابط عصام لم يمنح أحداً ثانية واحدة للتفكير؛ انتفض كالنمر وصرخ في أجهزة اللاسلكي بأوامر قاطعة: “إغلاق كل المداخل والمخارج لميدان السيدة زينب ومصر القديمة فوراً!