بعد وفاة امي وابويا اماني سيد ١
بعد وفاة امى وابويا رفضت الجواز عشان اربى اخواتى اشتغلت وخليت حياتى كلها ليهم اعلمهم واكلهم لحد ما كبروا اتعلموا ياخدوا بس اختى جهزتها وجوزتها واخويا اصبح تعاملوا معايا عباره عن معايره
بقتش في نظره الاخت الكبيرة ولا الأم اللي شالت.. بقيت في نظره “كراكيب” مالهاش لازمة في البيت!
بقى يتعامل معايا بقلة قيمة، يعايرني باللي ضحيت بيه عشانه! وفي يوم، وقف قصادي، وبصلي ببرود يقطع العرق ويسيح الدم، وقالها في وشي بكل قسوة:
“هو انتِ ليه متجوزتيش لحد دلوقتي؟! بصي لنفسك في المراية كويس.. شوفِ شكلك عجزتي واتطفتِ إزاي! انتِ امتى بقى تتجوزي وتغوري من البيت ده عشان نعرف نعيش ؟!”
الكلام نزل عليا زي مية نار! اتسمرت مكاني.. السقف كان بيلف بيا والحيطان بتصرخ. ماكنتش مصدومة من كلامه بس، أنا كنت مذهولة من كمية الغل والجحود اللي في عينيه!
إزاي الإيد اللي أكلته هي الإيد اللي عايز يقطعها؟ وإزاي البيت اللي بنيته بعرقي وشقايا.. بقى هو السجن اللي مستني اليوم اللي يرميني فيه بره؟!
ما لحقتش ألملم كرامتي اللي اتنعرت تحت رجليه، ولا ألحق ألم البواقي اللي فاضلة مني، لحد ما جه اليوم اللي دخل عليا فيه والشرر بيطلع من عينيه.
فتح الباب ، ومن غير مقدمات ولا حتى “أزيك”، قالها ببرود أشد من التلج:
“أنا قررت أتجوز.. والعروسة جاية تعيش هنا في الشقة.”
سكتت لحظة.. بلعت الغصة اللي قافة حلقي، وبصيت له بنظرة مكسورة بس حاولت أتماسك. قولت في بالي: “حقك يا ابن أمي وأبويا.. الشقة شقة أبوك، وأنا مش هقف في طريق سعادتك.” هزيت رأسي وقولتله بصوت مخنوق:
“ألف مبروك يا حبيبي.. حقك طبعاً، البيت بيتك . وده حقك
كنت فاكرة إن دي النهاية.. إن اللحظة دي هي أقصى وجع ممكن أعيشه.. بس اللي عمله بعد موافقتي كان كابوس ما يخطرش على بال إبليس نفسه!
بعدها بيومين بس، صحيت على صوت خبط ورزع في الأوضة اللي قَضيت فيها نص عمري. خرجت أتسحب وأنا مش فاهمة في إيه، لقيتها واقفة جنبه بقمة التبجح، وجايبين عمال بيكسروا وبيطلعوا حاجتي في كراتين رمينها فى الممر بره!
بقيت واقفة في الممر، وحواليا كراتين عمري مرمية زي الهامش اللي ملوش لازمة، بس خدت نفس طويـل وبلعت إهانة رمي حاجتي. قولت في سري: “معلش.. هيعرّس ويتبسط، ويمكن لما ياخد مراده ونفسه تهدى، يحن قلبه وينسى قسوته معايا.”
بدأ التوضيب.. الشقة كلها اتقلبت، هدوا حيطان وجددوا سيراميك، وغيروا ألوان البويا. حتى أوضتي اللي كنت بنام فيها، مسحوا ملامحها تماماً وعملوها صالون مودرن مذهب يبرق!
وطول الأسابيع دي، أنا ما قعدتش وضهري متني.. كنت بلم ورا العمال، أصفي التراب، أعمل أكل وشاي للصنايعية من الصبح للمغرب، وأشيل وأحط معاهم وأنا جسمي بيتكسر. كنت فاكرة إني لما أقف جنبه وأساعده يوضب عشه، هيشوف في عيني كلمة “مبروك” ويحس بالجميل.. كنت فاكرة إن قسوته كان ليها حدود، بس أتاري الطمع والجحود مالهومش قاع!
في اليوم الأخيرة، فى التوضيب والشقة بقت تبرق وزي ألف ليلة وليلة، دخلت خطيبته بقمة العجرفة.. تلف في الأركان وتبصلي من فوق لتحت بنظرة قرف، وهو ماشي وراها زي ضلها.
وقفت في وسط الصالة المتلمعة بعرقي، وكنت لسة بمسح إيدي في المريلة من بواقي البويا، لقيته قرب مني.. عينيه ما كانش فيها ذرة امتنان، بالعكس، كان فيها نظرة تملك مريضة!
أشر بصباعه على الأرض اللي لسة ماسحاها، وقالها بصوت جاف، حاد، يقطع الخِلف:
“بصي بقى يا حلوة.. عشان نكون على نور وما نرجعش نزعل من بعض: الشقة دي اتفرشت بالكامل لعروستي، وما بقاش ليكي فيها أوضة ولا مطرح تنامي فيه زي زمان.. أنتِ من بكرة مالكيش صفة هنا غير حاجة واحدة بس!”
بصيت له باستغراب، وشفايفي بترتعش: “صفة إيه يا ابن أمي؟”
ضحك ضحكة صفرا هزت الشقة، وكمل وهو بيحط إيده في جيبه بقمة التبجح:
“أنتِ هنا هتبقي الخدامة بتاعت البيت! تطبخي، تغسلي، تمسحي تحت رجلي ورجل مراتي، وتلبي طلباتها بالثانية.. وقعدتك هنا بلقمتك وخدمتك لينا! مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل.. الشارع وراكي، روحي دوري لك على خرابة تلمك بس مش هتاخدي معاكي قرش واحد من البيت ده!”
وقفت خطيبته ورانا وربطت دراعاتها، وابتسمت ابتسامة شمتانة وهي بتقول ببرود:
ـ اول ما العفش يوصل عايزاكى تقفى مع الصنايعيه وتفرشى معاهم ولما باقى الجهاز يوصل عايزاكى ترصيه فى الدواليب
وتحضرى امل العرسان
انا بقيت واقفه دموعى على خدى بقى ده العيل الصغير اللى ضحيت بحياتى عشانه عايز يضيع باقى عمرى وانا خدامه ليه ؟؟
هى دى جزاتى ؟؟؟
وقف الزمان بيا عند الكلمة دي، “خدامة”. الدم هرب من وشي، وإيدي اللي كنت بمسح بيها بواقي البويا اتسمرت على المريلة. العيل اللي كنت بشيله على كتافي لما رجله توجعه، اللي كنت بخصم من قوتي عشان أجيب له طقم العيد، واقف بيقايضني على لقمة عيش وسقف يحميني مقابل إني أكون خدامة تحت رجلين مراته!
خطيبته بصت لي بنظرة انتصار ورجعت كملت وهي بتلف في الصالة: “واه.. المطبخ عايز أكل يفتح النفس يوم الصباحية، ومش عايزه تقصير يا شاطرة، أنتِ عارفة الأصول ولا نسيتيها؟”
في اللحظة دي، حسيت بحاجة انكسرت جوايا، بس الغريب إن الكسر ده ما طلعش منه ضعف.. طلع منه نار. بصيت له في عينيه، ما شفتش أخويا، شفت غريب نكر الخبز والملح، وشفت إن السكوت اللي سكتُّه زمان هو اللي جَرّأه عليا النهاردة.
بلعت دموعي، ولأول مرة من سنين، رفعت رأسي وما وطيتهاش. مسحت إيدي ببطء شديد، وخلعت المريلة ورميتها تحت رجليه.
بصيت له وقولت بصوت طالع من قاع الوجع، بس ثابت زي الجبل:
“الشارع اللي بتهددني بيه يا ابن أمي وأبويا.. أرحم بمليون مرة من بيت أكون فيه خدامة للي تسوى واللَي ما تسواش. الشقة دي شقة أبونا، وليا فيها نصيب بالشرع والقانون زيي زيك.. وأنا مش هسيب حق شقايا وعمري المرمي في الكراتين ده يروح هدر.”
ضحك بصوت عالٍ عشان يداري ارتباكه، وقال بعصبية: “شرع إيه وقانون إيه يا خايبة؟! أخرجي بره وشوفي مين هيبص في وشك ولا مين هينصفك! وريني هتجيبي حقك إزاي وأنتِ حيلتك إيه؟!”
ما رديتش عليه بكلمة زيادة. مشيت بخطوات ثابته ناحية الكراتين المرمية في الممر، أخدت شنطة إيدي الصغيرة اللي فيها أوراقي الثبوتية، شهادة ميلادي، ودفتر توفير قديم كنت بشيل فيه قروش أوقات الشدة من ورا مصاريف البيت، وعلبة ذهب صغيرة فيها غواشتين أمي الله يرحمها كانت شايلاهم ليا قبل ما تموت.
مسكت الشنطة في إيدي، وبصيت له ولخطيبته اللي كانت واقفة تبص لي بزهو، وقولت له بنبرة أبرد من التلج اللي كان بيتكلم بيه:
“النهارده أنت بتطردني من البيت اللي بنيته بعرقي.. بس وحياة كل نقطة دموع نزلت من عيني وأنا بأكلك وبكبرك، لترجع تترجاني أدخل البيت ده تاني وما تلاقينيش.”
نزلت السلالم وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحتيا. خرجت للشارع والسماء كانت بتبدأ تظلم. ما كانش عندي مكان أروحه، أختي اللي جوزتها وشالت إيدها من كل حاجة أول ما اتجوزت، تلفونها مقفول بقالها أيام. قعدت على بنك في جنينة قريبة، الكراتين سيبتها في الممر فوق، وما أخدتش معايا غير كرامتي وشنطتي الصغيرة.
قعدت وحطيت رأسي بين إيديا.. الدموع اللي حبستها فوق نزلت زي المطر. كنت بتساءل: هروح فين في الزحمة دي؟ وهبدأ إزاي وأنا في السن ده؟
وفجأة، وأنا قاعدة ببتعصر من الوجع، افتكرت “الست أمينة”.. الست الكبيرة اللي كنت بشتغل عندها زمان في المشغل لما كنت بصرف على إخواتي. كانت دايماً بتقولي: “يا بنتي أنتِ إيدك تتلف في حرير، ولو احتجتي أي حاجة في أي وقت، بابي مفتوح لك.”
سحبت نفسي بالعافية، وركبت المواصلات لبيتها. أول ما فتحت الباب وشافت منظري وشكلي المطفى، أخدتني في حضنها من غير ما تسأل عن حاجة. انهرت في حضنها وحكيت لها كل اللي حصل، من يوم ما أمي ماتت لحد ما اترميت في الشارع.
الست أمينة طبطبت عليا وقالتلي بجملة واحدة غيرت مجرى حياتي:
“الجحود ده يا بنتي ربنا مش بيفوته.. بس ربنا أخد منك عشان يعوضك. أنتِ شيلتي حمول غيرك سنين، جه الوقت اللي تشيلي فيه نفسك.”
تاني يوم الصبح، ما قعدتش أبكي على اللبن المسكوب. الست أمينة كانت كبرت في السن وعندها مشغل خياطة وتطريز مقفول بقاله فترة عشان مش قادرة تديره. عرضت عليا مسك المشغل وأرجّع تشغيله بنسبة من الأرباح.
أخدت الغواشتين بتوع أمي، وبعتهم. بالفلوس دي، اشتريت قماش وخامات جديدة، ونضفت المشغل، وكلمت بنات من المعارف اللي كنت أعرفهم زمان. وبدأت أشتغل.. كنت بنام أربع ساعات في اليوم، وباقي اليوم بشتغل بإيديا ورجليا. الوجع اللي كان في قلبي تحول لطاقة شغل رهيبة.
مرت الأيام والشهور.. والمشغل بدأ يقف على رجله، وشغلي في تطريز مفارش العرايس وفساتين الخطوبة بدأ يسمع في المنطقة كلها والاطراف المجاورة. بقى ليا اسم، وبقى عندي قرشين في البنك، وبدأت أسترد صحتي وشكلي اللي اتطفي. اشتريت هدوم جديدة، ووشي ردت فيه الروح، وعرفت إن العمر المنسي ممكن يتصلح لو الإرادة موجودة.
في الوقت ده، كنت اتفقت مع محامي كبير عن طريق الست أمينة، ورفعت دعوى تمكين وفرز وتجنيب لشقة أبويا، ورفعت قضايا أطالبه بجميع المصاريف والأموال اللي صرفتها عليه بشهادة الجيران والأوراق اللي كنت محتفظة بيها.
وفي يوم.. وأنا قاعدة في المشغل وبتابع الشغل مع البنات، دخلت زبونة جديدة جاية تحجز طقم مفرش لعروسة. أول ما رفعت رأسي عشان أستقبلها، اتسمرت مكانها..
كانت هي.. خطيبته اللي بقت مراته!
دخلت وشكلها مجهد، وشها بهتان، ولابسة هدوم بسيطة جداً عكس التبجح اللي كانت فيه. أول ما شفتني واقفة بلبسي الشيك ووشي اللي ردت فيه الروح والمشغل كله شغال تحت إيدي، بؤها اتفتح من الصدمة وما عرفتش تنطق كلمة.
أنا ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقومت من مكتبي، وقربت منها بثقة وقولت لها:
“أهلاً يا عروسة.. نورتي المشغل. خير، محتاجة مساعدة في جهازك؟”
الست اتلبكت، وشفايفها اترعشت وهي بتقول: “أنتِ.. أنتِ بقيتي أخت فلان؟”
وقبل ما أرد عليها، تليفونها رن.. فتحت السبيكر وهي مرتبكة، فطلع صوت أخويا من التليفون، وكان صوته رايح وزعيق العمال وصوت خبط عالي جنبه، وبيصرخ فيها بقلة حيلة:
“ألحقيني يا هدى! إحضاري فوراً عند الشقة.. المحضر ورجال الشرطة واقفين على الباب ومعاهم قرار تمكين وإخلاء للشقة، وبيقولوا إن أختي الكبيرة خدت حكم قضائي بحقها في البيت وهتبيعه في المزاد العلني لو ما دفعتش نصيبها كاش حالا! جيبتي الفلوس منين يا هدى؟ والتجار ماسكين في رقبتي بره عشان الديون اللي عليا!”
خطيبته بصت لي برعب، والتليفون هيقع من إيدها.. وأنا أخدت نفس طويل، وابتسمت ابتسامة هادية وقولت لها بصوت سمع في المشغل كله:
“قولي له.. الكراكيب هي اللي قفلت البيت.”