اخت جوزي اتطلقت زهرة الربيع ٢
«أنا ما هربتش يا محمود لما سيبت المستشفى… أنا رحت للنيابة العامة في المحافظة! قدمت طلب إعادة فتح تحقيق، وقدمت تسجيل صوتي للتليفون اللي سميرة كلمتني فيه قبل الحادثة بيوم وهي بتهددني وتقولي “لو مخرجتيش من البيت مش هيحصلك طيب أنتِ وبنتك”! وقدمت شهادة أطباء الاستقبال اللي أثبتوا إن البنت كان في جسمها كدمات على إيدها الصغيرة مكان ما اتسحبت بغشم!»
هدى بصت فوق للشباك، عينها جات في عيني مباشرة رغم إني كنت ورا الستارة، وقالت بكل حقد الدنيا:
«وكيل النيابة أصدر أمر أوب بضبط وإحضار “سميرة عبد الحليم” وتريحها للنيابة فوراً للتحقيق معاها بتهمة الق/تل العمد مع سبق الإصرار والترصد!»
الظابط والأمناء نزلوا من عربية الشرطة ودخلوا الباب الكبير لبيت العيلة. أختي صرخت ولطمت على وشها:
«يا مري! الشرطة طالعة تجيبك يا سميرة! الفضيحة زادت والقضية اتفتحت قت/ل عمد!»
سمعت صباط الضباط وهو طالع على السلم الخشب، خبط قاطع على باب الشقة:
«افتحي يا متهمة! معا أمر نيابة للقبض عليكي!»
في اللحظة دي، حسيت إن السقف بيقع عليا. بيت العيلة اللي حلمت أستفرد بيه، بقى الشاهد على خياني وبشاعتي، ومحمود جوزي وقف تحت ينظر للسلم وهو مش حابب يرفع إيده عشان يحميني، بل بيبصلي بقلب محروق وكأنه بيتمنى يلمسني بيديه ويقيدني بنفسه.
الباب اتكسر، والأغلال الحديدية لمست إيدي… ودي كانت مجرد بداية كابوس أطول بكثير من السجن نفسه!
صوت الكلابشات وهو بيقفل على إيدي كان أبرد من مية البرميل اللي غرقت فيها البنت. السلسلة الحديد شادة دراعي، وأنا نازلة على سلم البيت اللي طالما حلمت أكون الآمرة والناهية فيه. السلم اللي مسحته شبر شبر وفرشت السجاد عليه، بقى هو المسرح اللي بتمشي عليه المتهمة بصلفها وعارها.
الشارع برة كان مليان ناس، أهل العزبة واقفين في حلقة كأنهم مستنيين العرض. حريم الأرياف اللي كانوا بيجوا يباركوا لي في المواسم، واقفين اليوم يبصوا لي بقرف، يتفلوا على الأرض أول ما رجلي لمست العتبة. أختي كانت واقفة على جنب حاطة الطرحة في بقها وبتصرخ بصوت مكتوم، وأبويا المريض ما قدرش يخرج من بيته من كتر الخزي.
أول ما طلعت من الباب، هدى أخت جوزي كانت واقفة جنب عربية الإسعاف اللي فيها ج/ثة بنتها. بصلت لي بنفس العينين الميتة، عينين مفيهاش نقطة دموع، لكن فيها كره يساع بلاد. محمود جوزي كان واقف جنبها، ماسك النعش الصغير بإيد ونازل بدماغه للأرض، حتى ما رفعش عينه يبص لي بصة وداع، ولا حرك شفايفه بكلمة. حسيت إني غريبة، إني مسخ خرج من البيت ده والناس كلها عايزه تخلص منه.

