بنتى سارة
بنتى سارة
بنتي سارة عمرها ما كانت من البنات اللي بتشتكي ابدا
عشان كده أول مرة قالتلي بطني وجعاني اتخضيت عليها وكلمت أبوها فورًا وقلتله نكشف عليها لكنه رفض.
وساعتها ما خطرش في بالي إن الرفض ده هيبقى أكبر غلطة في حياتي.
قال وهو ماسك الموبايل ولا حتى باصص في وشي ده مغص عادي مع كام قرص مسكن هيروح
حاولت أشرحله إن سارة مش بتدلع، وإن لونها متغير، وإن أكلها قل، وإنها بقت تنام كتير وتسكت أكتر، لكنه قاطعــ,,ـني وقال البنات في السن ده بيتدلعوا، وأنا مش فاضي لدلع البنات ده.
سارة كانت واقفة جمبي طول الكلام، باصة في الأرض، ساكتة، ولا مرة قالت لأ، ولا مرة قالت أنا تعبانة بجد، كأنها خدت قرار إنها تفضل ساكتة وهادية.
جاب لها مسكنات، ومع كل قرص كان الوجع يهدى شوية، مش يختفي، مجرد يقل، وأول ما المفعول يروح يرجع الألم تقيل، أشد وهي تستحمل وتسكت وتكمل يومها.
كانت تصحى الصبح بالعافية، تفطر لقيمــ,,ـات، تروح المدرسة وترجع مهدودة، تقفل على نفسها أوضتها وتنام بدري، وكل ما أسألها بطنك لسه بتوجعك، ترد لأ، حتى وهي ماسكة جنبها.
الدوا خلص، وهي ما قالتش، الوجع رجع أقوى، بقى جزء من يومها، من حركتها، من نفسيتها، وأنا كنت شايفة كل ده، بس بيني وبين نفسي كنت بحاول أصدق إن الموضوع بسيط، وإن قلقي غير مبرر.
بعد أسبوعين، بدأت تحس بالدوخة، تقف تحس الدنيا بتلف، تمسك في الكرسي، تضحك وتقول مفيش حاجة، وشها بقى باهت أكتر من الاول، عينيها دايمًا تعبانة، وأنا كل مرة أفتح الموضوع مع أبوها نرجع لنفس الجملة العقيمة هي أكيد بتدلع.
في ليلة قبل النوم سمعتها بتناديني، دخلت أوضتها لقيتها قاعدة على السرير، ماسكة بطنها، ساكتة، مش قادرة تقوم، سألتها مالك قالت الوجع زاد، سألتها نكشف بكرة، بصت لي وسكتت.
نمت، وأنا فضلت باصة عليها، وحاسة إن في حاجة غلط، بس ما خدتش خطوة، قلت بكرة، دايمًا بكرة، وكأن الوجع هيحترم المواعيد.
الصبح صحيت على صوتها في الحمام بتستفرغ، خرجت وشها أبيض، قالت بطني مولعة نــ,,ـار، جريت على أبوها، قلتله لازم نكشف دلوقتي، رد وقال سيبيها ترتاح وهتخف.
رجعت لها، وبعد شوية قالتلي ماما في دم، افتكرت الأول إنها بتهول، لحد ما شفت الحوض، دم خفيف بس حقيقي، اتخضيت أوي، ناديت أبوها، دخل وبص بسرعة وقال يمكن جرح في الزور.
بعد ساعات قالتلي في دم كمان من تحت، وشها متغير، وفي اللحظة دي ما فكرتش، لبستها وخدتها ونزلنا، من غير نقاش، من غير إذن، من غير خوف إلا عليها.
وإحنا في الطريق كانت ساكتة، ماسكة إيدي، وأنا كل اللي في دماغي إزاي سبتها توصل للحال ده، وإزاي السكات ممكن يبقى أذى.
وصلنا الطوارئ، الممرضة أول ما شافت لون وشها نادت دكتور، التحاليل اتحضرت، المحاليل اتركبت، وسارة نايمة باصة في السقف، مفيش سؤال، مفيش اعتراض.
الدكتور دخل، وشه جاد، قال النزيف مش طبيعي، ده مش دورة، الحالة خطــ,,ـيرة..هنعمل التحاليل الاول وبعدين نقرر.
اتصلت بأبوها وقلتلوا الحقني بنتك هتروح مننا.
بعد كام ساعة الدكتور وقف قدامنا، ووشه مش مريح، وقال إن النزيف خارج السيطرة، وإن التحاليل بتقول إن جسمها استنزف خلاص، ومفيش وقت نضيعه ومفيش مجال للتأجيل.
قال إن الورم مأثر على الهرمونات ومكبر بطانة الرحم بشكل خطر، وإن اللي حاصل مش دورة ولا حاجة بسيطة، ده نزيف ممكن يخرج عن السيطرة في أي لحظة ويسبب المــ,,ـوت.
مد ورقة في إيده وقال لازم تمضوا إقرار، إحنا داخلين عملية طوارئ، هنحاول نوقف النزيف ونشيل المبيض المصــ,,ـاب الأول.
وسكت ثانية قبل ما يكمل، وقال لو النزيف ما وقفش، ممكن نضطر نشيل الرحم علشان ننقذ حياتها، ومفيش خيار تاني ساعتها.
الكلمة وقعت تقيلة عليا، رحم، بنت لسه صغيرة، عمرها ما عرفت يعني إيه حياة أصلا، إزاي ممكن تخسر حاجة زي دي.
كمل كلامه بصوت مهني هادي، قال إحنا مش بنختار الحل ده غير لما نتــ,,ـحط قدام أمر واقع، بس لازم تبقوا عارفين كل الاحتمالات.
قال التأخير دقيقة كمان كان ممكن يوديها في صدمة نزيفية وتمــ,,ـوت
انا كان جسمي بيرتعش وأنا بشوف أبوها بيمضي على الاقرار، لا بيعاند ولا بيجادل، بس باصص على باب العمليات وكأنه فهم متأخر قوي.
الدكتور ختم الكلام وقال إنتوا لحقتوها في آخر لحظة، والباقي على ربنا، وربنا بس اللي يعلم لو كنا جينا بعدها بشوية كان حصل إيه.
خدوها على السرير، وهي رايحة مدمّرة، وشها شاحب، عينيها مقفولة، وأنا واقفة حاسة إن الغلطة دي كان تمنها عمر كامل.
بعد أسبوع خرجنا من المستشفى، سارة كانت ضعيفة بس عايشة، بتتحرك على مهَل، وكل خطوة كانت انتصار صغير بعد معركة كادت تخلص قبل ما تبدأ.
البيت اتغير، مفيش صوت عالي، مفيش تجاهل، مفيش كلمة دلع، أبوها بقى يسأل من غير ما يستنى إجابة تطمنه، بس عشان يسمع.
سارة بقت تتكلم شوية شوية، تحكي عن وجعها، وعن خوفها، وعن إحساسها إنها كانت لو اشتكت أكتر كانت هتتعب أكتر.
فهمنا متأخر إن السكوت مش قوة، وإن الوجع اللي ما يتسمعش بيكبر، وإن الطفل لما يسكت مش عشان تمام، عشان فقد الأمان.
الغلطة كانت قاسية، وثمنها كان ممكن يبقى عمرها، بس ربنا إدانا فرصة، مش كل بيت بياخد فرصة تانية.
—
للأبهات والأمهات، اسمعوا ولادكم قبل ما تحكّموا، بلاش تقللوا من شكوتهم أبدا
ما تقيسوش تعب ولادكم بعقلكم، ولا بتجاربكم، ولا بكلمة دلع، لأن الطفل اللي ما يلاقيش أمان في بيته، هيسكت ويتوجع لوحده.
الدكاترة ممكن ينقذوا حياة، لكن السماع بدري بينقذ عمر كامل، والحنية مش ضعف، والاهتمام مش رفاهية، ده واجب.
اللي حصل لسارة كان مرض حقيقي، بس اللي وصلها لكده كان تجاهل، والتجاهل أخطر من أي مرض.
