حكايات زهرة الربيع ٣

الرصاص كان بينهش في صاج العربية زي المطر، وصوت ضرب النار كان بيزلزل سكات الصحراء. أحمد كان مغطيني أنا ومريم بجسمه وهو كاتم أنفاسنا برعب: “أمي.. أوعي ترفعي راسك! دول مش جايين يهربوا مدحت.. دول جايين يمحوا الدليل ويمحونا معاه!”

من تحت الكراسي، شفت عربية البوكس بتاعة الحراسة وهي بتتغربل بالرصاص، والعساكر بيحاولوا يستخبوا ورا الصاج ويردوا على مصدر الضرب، بس الهجوم كان مفاجئ ومن كذا ناحية. الظلمة كانت كحل، ومفيش نور غير فلاشات الرصاص اللي بتنور وتطفي زي الكوابيس.

الراجل اللي شايل التابلت برة بدأ يقرب من عربيتنا بخطوات واثقة، وصوته الأجش كان بيعلم على اللاسلكي: “اخلصوا.. اقلبوا العربية وجيبوا الهارد اللي معاهم، الـ “رأس الكبيرة” مش هيرحم حد لو الفايلات دي اتسربت برة الصعيد.”

أحمد في اللحظة دي ملامحه اتحولت لكتلة غضب وعينه لمعت بنور غريب. مد إيده تحت الكرسي وسحب البلطة الصغيرة ومسن الحديد في إيده التانية. بصلي ونظراته كانت بتودعني: “أمي.. لو قربوا من العربية، أنا هفتح الباب وأشتتهم.. أول ما تلاقيني نزلت، اتسحبي أنتِ ومريم من الباب التاني واجروا ورا المقطورة المقلوبة في الضلمة، متقفيش ومتبصيش وراكي!”

“لأ يا أحمد! مش هسيبك!” صرخت والدموع حارقة عيني، بس هو مسمعش كلامي.

الراجل أبو تابلت وصل لحد باب السواق، ومد إيده عشان يفتح الباب وهو رافع س*لاحه. في الجزء من الثانية ده، أحمد سبق وفزع الباب بكل قوته في وش الراجل.. الباب خبط في صدره ورجعه لورا، وفي لمح البصر أحمد نزل زي الطلق.

شفت أحمد وهو بيرفع البلطة وبينزل بيها بكل غله على إيد الراجل اللي شايلة الس*لاح. الراجل صرخ صرخة هزت المكان والس*لاح وقع منه. أحمد مأداش له فرصة، وبظهر مسن الحديد ضربه ضربة قوية على دماغه وقعته مكانها ج*ثة هامدة.

اللاسلكي اللي في جيب الراجل وقع على الأرض، وصوت برة بدأ يندفع منه بزعيق وهستيريا: “يا عوض! إيه عندك؟ خلصت؟”

أحمد وطى بسرعة، أخد الس*لاح الآلي بتاع الراجل والتابلت المنور، وزعق فيا بصوت جهوري وهو بيضرب نار في الهوا عشان يغطي علينا: “اجري يا أمي!! حالااااً!”

سحبت مريم اللي كانت بتترعش ومش قادرة تقف على رجليها، فتحت الباب السري الوراني واتسحبنا وسط عتمة الليل الكاحلة. زحفنا على الرمل وعيوننا مليانة تراب لحد ما استخبينا ورا عجل المقطورة الضخمة المقلوبة في نص الطريق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *