حكايات زهرة الربيع ٣
من ورا العجل، كنت شايفة المشهد مرعب.. أحمد كان واقف ورا صاج عربيتنا بيتبادل ضرب النار مع بقية الرجالة اللي نازلين من الجبل كأنه أسد بيحارب في غابة. كان بيضرب بذكاء ويغير مكانه كل ثواني عشان يوهمهم إن في قوة كاملة بتحاربهم. عساكر الحراسة لما شافوا أحمد بيقاوم، اتشجعوا وبدأوا يضغطوا على المهاجمين من الناحية التانية.
مسكت التابلت اللي أحمد رماه في حضني قبل ما ينزل، الشاشة كانت لسة منورة.. وفتحت عيني على آخرهم لما شفت الفايل المفتوح.
كان فيه خريطة مرسومة، وفي نصها كلمة واحدة مكتوبة بالخط العريض فوق اسم “طنطا”: (الهدف القادم: أرشيف محاماة ماكرم – تصفية الحساب القديم).
جسمي كله قشعر وعرقت في ثانية.. الشك اللي جالي في المديرية طلع حقيقة! الموضوع مش مجرد شبكة ابتزاز عشوائية.. “دفتر مواليد 88” ده سر قديم من أسرار جوزي الله يرحمه، ومدحت كان مجرد طُعم دخل بيت تلميذه عشان يوصل للسر ده!
صوت ضرب النار بدأ يهدى فجأة.. وسمعت صوت سرينات إسعاف وقوات دعم تانية جاية من بعيد، أنوارها الزرقا والحمرا بدأت تقطع ضلمة الصحراء. الرجالة المهاجمين لما شافوا الدعم، بدأوا ينسحبوا ويجروا في الجبل زي الفئران.
“أحمد!!” صرخت بأعلى صوتي وجريت من ورا المقطورة وأنا ساندة مريم.
وصلت للعربية.. لقيت أحمد ساند ضهره على الإكصدام، عرقان، وهدومه متبهدلة دم وتراب، والآلي في إيده بيطلع دخان.. بس كان بيتنفس وصاحي. أول ما شافنا، رمى الس*لاح وجري علينا حضننا إحنا الاتنين: “أنتوا كويسين؟ حصلكم حاجة؟”
“إحنا بخير يا حبيبي.. بخير بفضلك.” قولتله وأنا ببوس راسه وإيدي بتترعش.
قوات الدعم وصلت والمكان اتقلب كشافات ونور عمى عيوننا. الظابط الكبير نزل وجري علينا وعلى العساكر المصابين. أحمد سلم الس*لاح والتابلت للشرطة، وبص للظابط بملامح حاسمة: “الشبكة دي مش في الصعيد بس يا فندم.. الرأس الكبيرة والهدف الحقيقي مستنينا هناك.. في طنطا!”
الظابط بص في التابلت ووشه اتقلب: “الحاجة دي لازم تتحرك تحت حراسة مشددة فوراً لمديرية أمن الغربية.. اللعبة كبرت وبقت قض*ية أمن دولة.”
ركبنا عربية تانية تابعة للشرطة، مأمنة ومصفحة، وتحركنا في وسط أسطول من العربيات متوجهين لبلدنا. مريم كانت حاطة راسها على كتفي، وعينها على الطريق.. الخوف اتلاشى وحل مكانه رغبة قوية في المواجهة. أحمد كان قاعد جنب السواق، ماسك البلطة الصغيرة في إيده، بيمسح الدم من عليها ببرود وثبات.

