طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع٢

شعرت بأن جدران الحمام تضيق عليّ، والأنفاس تكاد تنقطع مجدداً: “يعني.. يعني أنا معنديش بهاق؟ أنا سليم؟”
“جسمانياً؟ أيوة يا أحمد، أنت معنديش بهاق.” قالها الدكتور شاكر وهو ينظر في عيني مباشرة: “لكن نفسياً، أنت مريض بمرض ألعن بكتير. البقع المزيفة دي في تلات أيام بس خليتك تدوق العذاب اللي كنت بتدوقه لهيام كل لحظة. خليتك تستخبى من الشمس، وتخاف من نظرة أصحابك، وتروح لبيت أهلها ذليل ومكسور.. البقع دي كانت المراية اللي خلتك تشوف حقيقتك من جوه.”
سقطت على الأرض، وأنا أنظر ليدي النظيفة الآن. غسلت وجهي بالماء بالكامل، وعدت للصالة وأنا أشعر بخزي لم أشعر به قط. تذكرت كل كلمة قولتها لهيام وأنا واثق من كمالي، وتذكرت نظرتها المكسورة، وتذكرت كيف ذهبت إليها بالأمس مستجدياً غفرانها فقط لأنني ظننت أنني أصبحت مثلها! لو كنت أعلم أنني سليم، هل كنت سأذهب؟ هل كنت سأعتذر؟
هذا السؤال كان يذبحني. لقد ذهبت إليها بدافع الخوف المشترك، لا بدافع الحب النقي.
التفت للدكتور شاكر ودموعي حقيقية هذه المرة: “أنا خسرتها يا دكتور.. خسرتها بجد. حتى لما رحت لها واعتذرت، رحت وأنا لابس قناع الخوف، وهي كشفتني. هيام شافت روحي المشوهة مش وشي.”
هز الدكتور شاكر رأسه وقال وهو يتجه للباب: “الدرس انتهى يا أحمد، والوش الرخيص اللي اترسم عليك اتمسح. بس الوش الحقيقي اللي هتعيش بيه قدام الناس من النهاردة.. أنت اللي هتختاره. يا ترجع أحمد المغرور اللي بيعبد القشرة، يا تبدأ تدور على بني آدم بجد جواك.”
خرج الدكتور وتركني وحيداً في الشقة النظيفة، شقتي التي عادت “مثالية” كما كنت أحبها، لكنها كانت باردة كالمقبرة.
لم أستطع الجلوس. غسلت وجهي للمرة الألف للتأكد من زوال كل أثر للألوان، وارتديت ملابسي ونزلت إلى الشارع. لم أكن أرتدي قبعة ولا نظارة شمسية، كنت أمشي ووجهي مكشوف تماماً للناس، لكنني لأول مرة، لم أكن أنظر ليرى أحد إن كانوا ينبهرون بي أم لا. كنت أمشي وأنا أبحث عن شيء واحد فقط.. أبحث عن طريقة أثبت بها لنفسي، قبل هيام، إنني أستحق العيش كإنسان.
تذكرت البوست الذي نشرته هيام وصورتها بدون مكياج. كانت تبدو قوية، حرة، وجميلة بشكل لم أره فيها من قبل. جمال نابع من شجاعتها.
