شغالة موظفة روماني مكرم ١
الخطة اللي رسمها الحاج عبد الحميد كانت قاسية، بس هي دي الطريقة الوحيدة اللي تخليه يفتح تليفونه المظلم ويفوق من سكرة الغربة وكلام أمه.
أول خطوة بدأت تاني يوم الصبح.. منى منزلتش الشغل، أخدت إجازة عارضة، وأخدت العيال في إيدها وراحت على شقة الحاجة فاطمة حماتها. دخلت والشقة كانت ريحتها خبيز، وحماتها قاعدة على الكنبة بتعد في فلوس باعتها لها أحمد مع واحد صاحبه لسه راجع من السفر.
منى وقفت في وسط الصالة، ملامحها كانت جامدة وخالية من أي انكسار، وقالت بصوت عالي وثابت: “صباح الخير يا حاجة.. أنا جاية أقولك إني سايبة العمارة وراجعة بلد أبويا.. العيال دول عيال ابنك، ومدارسهم ومصاريفهم وكسوتهم من هنا ورايح عليكي وعلى ولادك، أنا مش قادرة أشيل شيلة راجل وست لوحدي، وأحمد اللي مخصمني عشان القرش، يوريني هيصرف على عياله إزاي وهو قافل تليفونه”.
الحاجة فاطمة اتنططت من مكانها، والفلوس اتبعثرت في الأرض: “وه.. عاد تقولي إيه يا بت الناس؟ تسيبي عيالك وتمشي؟ ورايحة فين وعايزة تفضحينا في البلاد؟ أحمد بيموت في الغربة عشان يأمن مستقبله!”.
منى ابتسمت بوجع وقالت: “بيموت في الغربة؟ أهو عايش وبيرسل، بس بيرسل للي بيقووه عليا.. العيال أهو معاكم، وأنا راجعة لأهلي وناسي اللي هيجيبوا لي حقي”. وسابت العيال بشنطة هدومهم الصغيرة، وخرجت قبل ما حماتها تستوعب الصدمة. العيال بقوا في رقبة الجدة وأعمامهم، والمسؤولية اللي كانوا متهربين منها بقت فرض عين عليهم.
في نفس الساعة، كان الحاج عبد الحميد قاعد في مجلسه، ومسند الموبايل الصغير بتاعه على دكة الخشب. طلب رقم “أحمد” الدولي.. أحمد اللي كان قافل تليفونه في وش منى، رن تليفونه برقم غريب من مصر، ولما شاف مفتاح المحافظة، رد وهو مكسل: “ألو.. مين معايا؟”.
جاءه صوت الحاج عبد الحميد زي رعد الشتا، قوي ويهز الأرض: “معاك عبد الحميد الهواري، ابن عم المرحوم مكرم أبو منى مرتك.. اسمعني زين يا واد الناس، ومتقاطعنيش بكلمة واصل”.
أحمد في غربته اتعدل في قعدته، عرق بارد نزل على ضهره.. اسم الحاج عبد الحميد معروف في البلاد كلها، راجل قاضي مجالس وبكلمة منه بيوت بتتخرب وبيوت بتتفتح.
الحاج عبد الحميد كمل وعصايته بتخبط في الأرض وصوت الخبط واصل لأحمد عبر السماعة: “لحمنا مش رخيص يا أحمد، وإحنا سيبنا بنتنا عندك أمانة، قولتوا موظفة ومعاها قرش.. قولتوا يتيمة وملهاش ضهر.. لكن وعزة جلال الله، لو حق بنتنا وعيالها مجاش تالت ومتلت لغاية عندها، ليكون بيننا وبينك المحاكم والمجالس اللي متخرجش منها سليم.. مرتك سابت العيال لأمك وخرجت، والبلد كلها عرفت إنك مستخسر اللقمة في ضناك.. قدامك 48 ساعة، يا تليفونك ده يتفتح والقرش يوصل، يا إما هتشوف وش تاني للهوارية عمرك ما حلمت بيه في غربتك.. سلام يا واد الناس”.
