فرح اخت جوزي منى السيد

تخدمي، بس بابا مالهوش ذنب. هو الراجل الوحيد اللي وقف في صفي وفي صفك يوم الفرح.
فكرت كتير، وقررت أروح المستشفى، مش عشان إحسان، بس عشان عم صبري. لما دخلت الأوضة، لقيت إحسان قاعدة على الكرسي، وشها دبلان، وعنيها اللي كانت بتطلع شرار، انطفت تماماً. لما شافتني، ماقدرتش تنطق. قامت وقفت بضعف، وبصت للأرض.
عم صبري فتح عينيه، وبص لي بابتسامة باهتة يا بنتي.. كنت عارف إن قلبك أبيض.
قعدت جنبه، وحكيت له عن مشروعي الصغير اللي بدأت فيه، وإزاي الكتابة بقت طريقي، وإزاي الستات بقوا بيشوفوا فيا مثال للكرامة. إحسان كانت بتسمع، وماكنتش بتعلق.
بعد أيام، لما عم صبري خرج من المستشفى، إحسان طلبت تقعد معايا ومع محمود. قعدنا في الصالة، وبدأت تتكلم بصوت خافت أنا عارفة إني غلطت في حقك كتير. كنت فاكرة إن قوتي بتكمن في السيطرة على كل اللي حواليا. كنت خايفة أكون ضعيفة، فكنت بضعّفكم عشان أحس إني موجودة.
بصيت لها وكنت حازمة يا طنط، أنا مش بكرهك. بس الكرامة مش بضاعة بتتباع وتتشرى. أنا كنت بشتغل في بيتكم بضمير، وكنت باكل من أكلكم عرق جبيني، لكن الإهانة هي اللي كسرت كل حاجة. أنا مش عايزة أرجع البيت ده تاني، بس ممكن نفتح صفحة جديدة مبنية على الاحترام.
بدأت الأمور تتحسن تدريجياً، بس مش بالشكل القديم. إحسان اتغيرت، بقت بتقدر تعبي وتعب ماما أميرة، وبدأت تسدد ديون الناس اللي كانت ماكلة حقهم. الفلوس اللي كانت مخبياها، خرجتها عشان تبدأ ترمم صورتها، بس الأهم إنها بدأت تترمم كإنسانة.
نور اتجوزت، وفرحها كان بسيط ومحترم، وماكنش فيه بهورة ولا مظاهر كدابة. أنا كنت موجودة، بس كنت ضيفة، لابسة أحسن لبس عندي، ومحمود كان فخور بيا قدام الكل.
أنا ومحمود رزقنا بطفل سميناه صبري على اسم جده، اللي كان الوحيد اللي حافظ على شرفه وسط كل الفوضى دي.
دلوقتي، وأنا بكتب الفصل الأخير من كتابي حكايات مريم، بفتكر المطبخ اللي كنت محبوسة فيه، وبقول لنفسي المطبخ ماكانش سجن، ده كان المصنع اللي طلعت منه مريم القوية. بقيت بساعد كتير من البنات اللي بيبعتوا لي، بعلمهم إزاي يوقفوا على رجليهم، وإزاي يطالبوا بحقهم في الجنيه والكلمة.
الحياة مش دايمًا وردي، والأهل أوقات بيغلطوا، بس المهم إننا ما نسمحش لغلطهم إنه يحدد قيمتنا. أنا مريم، اللي كانت بتغسل أطباق في فرح أخت جوزها، ودلوقتي بقيت بكتب قصص نجاح، وبنور الطريق لغيري.
والدرس الأهم اللي اتعلمته اللي بيشتري نفسه، الناس كلها بتشتريه.. واللي بيبيع كرامته، مايلاقيش حتى اللي يشتريه بالرخيص.
الفصل الرابع قبل الأخير
بعد مرور سنتين على يوم الفرح اللي قلب حياتنا، الأمور استقرت، بس ماكانتش زي الأول. إحسان بقيت ست تانية خالص، الخسارة اللي خسرتها في سمعتها وفي ثقة ابنها فيها كسرت كبرياءها، وبدأت تحاول تتقرب مني ومن محمود بطرق تانية، بعيد عن الأوامر والتحكم.
في الوقت ده، كان مشروعي روايات واقتباسات كبر وبقى ليه صدى واسع. مئات البنات من كل حتة في مصر بقوا بيبعتوا لي قصصهم، وكأنني بقيت صندوق أسرار الستات. لكن في يوم، جالي إيميل غريب من حساب مجهول. الإيميل كان فيه صور.. صور لمحمود في مكان مشبوه، وصور تانية لمبالغ مالية ضخمة بتتحول لحساب باسم إحسان.
حسيت ببرودة في أعصابي. هل ممكن تكون إحسان لسه بتلعب من ورانا؟ هل كل التوبة اللي أظهرتها كانت مجرد مسرحية عشان نرجع نثق فيها؟
واجهت محمود، كان وشه شاحب. ماقدرش ينكر. اعترف لي إن أمه ضغطت عليه عشان يرجع يدير لها جزء من استثماراتها اللي كانت مخبياها، وإنها بتهدده لو ما سمعش كلامها هتفضح سره قدام عم صبري وتعرفه إنه هو اللي كان ساعدها في إخفاء الفواتير وقت الفرح.. رغم إنه كان ضحية زيي.
لقيت نفسي في نفس الموقف تاني، محبوسة في خناقة عائلية، بس المرة دي كانت الخناقة على الفلوس مش على خدمة المطبخ.
قررت ما اسكتش. المرة دي، ماكنتش مريم الضعيفة اللي بتغسل المواعين، كنت مريم اللي بقت صوت آلاف الستات. بدأت أبحث بنفسي، اتعلمت أصول اللعبة من خلال الكتابة والبحث اللي بقوم بيه في شغلي. اكتشفت إن إحسان مش بس بتستغل محمود، دي كانت بتغسل أموال لحساب تجار كبار في السوق، وكانت بتستخدم اسمنا واسم بانكيتات اللوبيت كواجهة قانونية عشان تداري على عملياتها.
في ليلة، جمعت إحسان ومحمود وعم صبري في بيتنا. إحسان كانت فاكرة إننا جايين نهنيها بعيد ميلادها أو حاجة، لكن وشي كان غير كده.
رميت الأوراق اللي جمعتها على الطاولة. صور التحويلات، عقود مشبوهة، وأسماء التجار اللي بتتعامل معاهم. السكوت في الصالة كان قاتل. عم صبري مسك الأوراق،
لمحة نيوز
ودموعه بدأت تنزل وهو بيشوف الحقيقة اللي كان هارب منها طول عمره.
بصيت لإحسان وقلت لها بصوت ثابت، ومن غير أي رعشة يا طنط، أنا عشت معاكي 7 سنين بكنس وبمسح وأنا صابرة، بس إني أشارك في جريمة عشان تبيضي وشك، ده اللي مش هيحصل. أنتِ دمرتي نفسية ابنك، وكنتي هتدمري مستقبلنا، كل ده عشان إيه؟ عشان شوية فلوس بتموت وبنروح ونسيبها؟.
إحسان حاولت تعيط، حاولت تتماسك بتمثيلها القديم، بس محمود المرة دي كان أقوى. وقف قدامي وقال لها يا أمي، كفاية. أنا كنت ساكت عشان خاطر بابا وعشان خاطر مراتي، بس اللعبة انتهت. يا تسلمي نفسك للحق وتنهي كل العقود دي، يا إما البوليس هو اللي هيجي يخلص الحساب.
كانت لحظة فارقة. إحسان بصت لي، وبصت لابنها، ولأول مرة شفت في عينيها خوف حقيقي. مش خوف من الفضيحة زي ما كان قبل كده، لكن خوف من إنها تخسر ابنها الوحيد اللي كان فاضل لها.
قعدنا لساعات نخطط إزاي ننهي التعاملات دي من غير ما نتدمر معاها. استعنا بمحامي شاطر، وبدأنا نفكك الشبكة اللي هي دخلت فيها. كان طريق صعب، وكنا بنمشي على بيض، بس في الآخر، قدرنا نخرج من دائرة النار اللي هي حطتنا فيها.
عم صبري قرر يبيع جزء من أملاكه عشان يسدد ديون التجارة المشبوهة دي ويقفل الملف نهائي. إحسان، ولأول مرة في حياتها، تنازلت عن الكرسي اللي كانت قاعدة عليه. سابت إدارة البيت، وسابت كل حاجة، وقعدت في أوضتها، مش عشان مريضة، بس عشان تفكر في السنين اللي ضيعتها في المنظرة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *