التوأم زهرة الربيع ٢

وقف زوجي في مواجهة شقيقه كالجبل الصامد، وتغيرت نبرة صوته لتصبح حاسمة وقوية لأول مرة دفاعاً عن ابنته: “البنت دي هي اللي هترفع اسم عيلتنا لفوق يا خوي.. البنت دي ربنا وهبها عقل يسوى بلد بحالها، وأنا مش هسمح لحد يكسر مجاديفها تاني.. حتى لو كنت أنت!”

اشتد الخلاف بين الأخوين، وتوعد العم بمقاطعتنا وهدر دم كل من يخرج عن طوع العائلة وتقاليدها، وترك البيت وهو يغلي غضباً.

في تلك الليلة، وبينما كنا نخطط لكيفية تدبير مصاريف السفر وتأمين النموذج الأولي للجهاز، سمعنا طرقاً غريباً على الباب في منتصف الليل. فتح زوجي الباب ليجد رجلاً يرتدي ملابس فاخرة، وتظهر عليه علامات الثراء والنفوذ، وبصحبته حارسان شخصيان يقفان بالخارج.

دخل الرجل وجلس بثقة، ونظر إلى زوجي وأمل وقال بنبرة هادئة تحمل وراءها تهديداً مبطناً: “أنا بمثل شركة مستلزمات طبية كبرى هنا في مصر والشرق الأوسط.. وصلنا خبر باللي البنت الصغيرة دي عملته، وجينا نعرض عليكم عرض العمر.. هنشتري براءة الاختراع دي بمليون جنيه كاش، على أن تتنازل البنت عن كل حقوقها في الابتكار، وينسب لشركتنا بالكامل.. وممنوع تسافروا سويسرا.”

نظر زوجي إلى أمل، ثم نظر إلى الرجل بصلابة وسأله: “ولو رفضنا؟”

ابتسم الرجل ابتسامة باردة، وقام من مقعده وقال وهو يتجه نحو الباب: “الرفض مش في مصلحتكم.. الأرض اللي بتزرعوها، والبيت اللي عايشين فيه، وصوتكم في البلد.. كل ده ممكن يختفي في ليلة واحدة لو وقفتوا في طريقنا.. فكروا كويس قبل ما تردوا، قدامكم 24 ساعة بس!”

رحل الرجل الغامض تاركاً خلفه دوامة جديدة من الرعب. كنا بين فكي كماشة: تهديدات العائلة والتقاليد من جهة، وتهديدات شركة نفوذها يمتد لأعلى سلطة من جهة أخرى، وأمل تقف في المنتصف بابتكارها الصغير الذي قد ينقذ ملايين البشر، لكنه بات يهدد حياتنا بالكامل!

انقضت ليلتنا تلك كأنها دهرٌ كامل، لم تذق فيها عيوننا النوم. تحول بيتنا الصغير إلى ساحة حرب غير معلنة؛ من جهة نترقب انقضاء مهلة الأربع وعشرين ساعة التي حددها رجل الأعمال المتنفذ، ومن جهة أخرى نتحسب لرد فعل عائلة زوجي وعمي الذي غادرنا والغضب يملأ عينيه.

مع خيوط الفجر الأولى، جلس زوجي على حافة السرير يفرك وجهه بقلة حيلة، لكن عيناه لم يكن فيهما تراجع. نظر إليّ وقال بصوت منخفض حازم:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *