التوأم زهرة الربيع ١

​أنا كنت باخد بنتي في حضني وأبكي بدل الدموع دم. ذنبها إيه طفلة ملهاش حول ولا قوة؟

سميتها “أمل”.. كان عندي أمل إن الاسم ده يديني قوة أعيش في الجحيم اللي بقيت فيه، وأمل إن قلب أبواها يحن في يوم من الأيام.

​ومرت السنين.. وأمل كبرت وبقت عندها 13 سنة. 13 سنة والبنت بتكبر قدام عينيا وهي شايفة الجفا والكسرة. كانت بتشوف كل العيال في المحيط بتاعنا مع أبهاتهم، بيلعبوا معاهم، بيشيلوهم، وهي عمرها ما حست إن ليها أب. أبواها عايش معاها في نفس البيت بس كأنه غريب، لا بيكلمها ولا بيطبطب عليها، ولا عمره نطق اسمها. كانت لما تعدي من جنبه يلف وشه الناحية التانية. البنت كبرت هادية، ساكتة، دايماً سرحانة، بس كان في عينيها نظرة حزن تقطع القلب.

​وفي يوم.. اليوم اللي عمري ما هنساه .

كنت بحضر الغدا، وقولت أدخل أوضتها أناديها عشان تاكل. فتحت الباب براحة وصوت رجلي مكنش باين.. وبصيت.. واتصدمت صدمة عمري!

​جسمي كله اتنفض، وحسيت إن ركبي مش شايلاني. الدم اتجمد في عروقي من اللي شفت بنتي بتعمله! لثواني مكنتش قادرة أستوعب، هل ده حقيقة ولا أنا اتجننت؟

​جريت بسرعة الصاروخ، مكنتش شايفة قدامي من كتر الذهول والخوف والرجفة اللي هزت كياني. دخلت الصالة وجوزي كان قاعد بيشرب شاي، مسكته من إيده بكل قوتي وكنت بشده ورايا وأنا بتنفض وبترعش كأني شوفت ميت قايم من تربته.

​جوزي استغرب من منظري وزعق: “في إيه يا ولية؟ جرا ل عقلك إيه؟” مكنتش قادرة أنطق، لساني كان مربوط.. شديته لحد باب الأوضة، ورفعت إيدي وأنا بصوب صباعي ناحية البنت، وإيدي بتترعش زي ورقة شجر في مهب الريح.

​جوزي بص مكان ما شاورت واتجمد في مكانه كأنه اتحول لتمثال من تلج. عينيه وسعت على أخرها وعرف وقتها ليه ربنا اختار البنت دي تعيش !!!!!…..

وقف زوجي مذهولًا، وأنفاسه تكاد تنقطع وهو ينظر إلى داخل الغرفة. كانت أمل تجلس على سجادة الصلاة، تحيط بها هالة غريبة من الهدوء والوقار الذي لا يناسب طفلة في عمرها. ولكن الصدمة لم تكن في صلاتها، بل فيما كان يحدث أمامها وحولها.

على المكتب الصغير الذي تدرس عليه، كانت هناك أوراق مبعثرة وحاسوب محمول قديم كنت قد اشتريته لها بمدخراتي البسيطة لتدرس عليه. الشاشة كانت مضاءة وتتدفق عليها أسطر معقدة من البرمجيات والمعادلات الرياضية والحسابية التي لا يفهمها كبار المتخصصين. وإلى جانب الحاسوب، كانت هناك مجسمات ميكانيكية دقيقة لقطع محركات وأجهزة طبية صغيرة، بعضها يتحرك بمجرد إشارة من يدها دون أن تلمسه، عبر جهاز استشعار دقيق وصغير للغاية قامت بصناعته وتركيبه بنفسها من بقايا أجهزة تالفة في البيت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *