الجزء الثالث والأخير الخبطتين على حلق باب المطبخ خلو الاتنين ينطوا من مكانهم كأن عقرب لدغهم. حماتي رمت النوتة الصغيرة بسرعة في جيب الصدر، ومازن اتلخبط، حتة فلفل حامية طارت من إيده نزلت في عينه، فصرخ وقعد يفرك ويسب وشه وريحة الشطة خنقاه. بصيتلهم بنظرة كلها مسكنة مصطنعة، ووشي مفرود زي الملاية البيضا، كأني خارجة من غيبوبة مش لسه منزلة اعترافات مسجلة باتفاق سرقة علني صوت وصورة هاي ديفينيشن. خير يا ماما؟ سامعة صوتكم عالي من جوة، قولت أجي أشوف وصلتوا لفين.. محتاجين أمليلكم معايير الخل والملح للبرطمانات الكبيرة؟ الحاجة وفاء بلعت ريقها بالعافية، ومسحت وشها بطرحتها اللي بقت كلها بقع صفرا وحمرا من قشر الطماطم والتسبيك لأ.. لأ يا حبيبتي، مفيش حاجة، ده مازن بس إيده خفيفة شوية ومبيستحملش ريحة الحامي.. إحنا ماشيين كويس أهو، ادخلي إنتي بس ريحي إيدك عشان متورمش أكتر. مازن كان واقف عند الحوض، فاتح الحنفية على وشها وبيغسل عينه وهو بينهج أنا هموت يا وسام.. الشطة ولعت في وشي، وضهري حسيت إن فقرته التالتة فكت من مكانها! ابتسمت من تحت لتحت، وقربت منه بخطوات بطيئة وطبطبت على كتفه بإيدي الشمال السليمة معلش يا حبيبي.. كله فدا البيت وشكلنا قدام الناس، مش ده كلامك برضه امبارح؟ شد حيلك كده عشان الأوردر يطلع بمقامك ومقام طنط.. أنا هدخل أعمل تليفونين للشغل وأسيبكم تكملوا بهدوء. رجعت أوضة النوم، قفلت الباب بالترباس، وقعدت على طرف السرير أجمع خيوط اللعبة في دماغي. الوجع اللي كان في قلبي من خيانة مازن مات في ثانية، وحل مكانه برود غريب، برود الست اللي بتكتشف إن الراجل اللي نايم على مخدتها مش أكتر من عيل متساق ومستني الفرصة ينهش في لحمها وورث أبوها. أبويا، الحاج رضوان، قعد خمسة وتلاتين سنة في مصنع النسيج في المحلة يشقى ويتغرب ويعرق، عشان لما يموت يسيبلي حتة الشقة الصغيرة اللي في المنصورة، ووديعة مقفولة في بنك مصر باسمي محدش يقدر يقرب منها غير بإمضتي ورقمي القومي. كان ديماً يقولي يا وسام، الفلوس دي كرامتك.. أوعي تدخلي على راجل وانتي مكسورة، وأوعي تسلّمي قرشك لحد مهما حلفلك ع المصحف. كلامه رن في ودني زي الجرس، ومسحت أي ذرة تردد كانت ممكن تشل تفكيري. مسكت التليفون، وكلمت نهى تاني نهى.. الخطة اتغيرت. في إيه يا بت؟ هتعملي فيهم إيه؟ التسجيل معايا.. حماتي ومازن كانوا بيخططوا ياخدوا وديعتي السنة الجاية بعد ما يفتحوا بيا مشروع ألف برطمان مخلل وصلصة لمعارض مدام سوسن، ويشغلوني عبدة تحت إيد نسوان عيلتهم، وفي الآخر يفتحوا محل لمازن في التجمع بفلوسي ويخلعوا. نهى صرخت في التليفون صرخة رنت في نافوخي يا ولاد التييييت! ده إنتي لو مموتتيهمش دلوقتي تبقي عبيطة! أنزلك بالبنات وبتوع الكيترينج نكسر عليهم الشقة؟ تكسير إيه وعياط إيه يا نهى؟ إحنا ناس بتوع بيزنس وقانون.. اسمعي اللي هقولك عليه بالظبط. إنتي قايلة إن مدام سوسن بتاعت المعارض دي زبونة عندك وبتاخد منك وجبات للجمعية بتاعتها كل موسم، صح؟ طبعاً، ده هي اللي ماسكة بزارات الخير بتاعت الشيخ زايد وأكتوبر كلها، وكلمتها زي السيف في المنطقة. حلو أوي.. اتصلي بيها دلوقتي حالاً كأنك بتدردشي معاها، واعرفيلي منها هي الحاجة وفاء اتفقت معاها على إيه بالظبط؟ هل الأوردر ده طالع باسم جمعية، ولا بيع قطاعي، ولا إيه الحكاية؟ وعايزاكي تجهزيلي عربية نص نقل بكرة الصبح بدري، بسواق من رجالتك يكون تقيل وبيفهم. عنيا ليكي.. خمس دقايق وأرد عليكي بالتفاصيل. في الخمس دقايق دول، كنت بفتح اللاب توب بتاعي. دخلت على حسابي البنكي، غيرت كل الباسوردات، وقفلت خاصية المعاملات عن بعد، وسحبت كشف حساب رسمي إلكتروني بيثبت إن الوديعة باسمي لوحدي ومحدش له حق وصاية أو توكيل فيها. وبعدين طلعت من الدولاب ورقة تانية أهم بكتير عقد الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي. الشقة كانت مكتوبة مناصفة، بس النص بتاعي مدفوع كاش بشيك من حساب أبويا، ومازن مسجل نصيبه بقرض على مرتبه بضمان وظيفته في الشركة. يعني الشقة قانوناً، متقدرش تتباع ولا يتصرف فيها من غير توقيعي الرسمي في الشهر العقاري. التليفون رن، وكانت نهى. صوتها كان فيه غل الدنيا وسام.. اسمعي المصيبة. مدام سوسن بتقول إن حماتك الحاجة وفاء رايحة مقدماهم في معرض خيري هيتعمل يوم الجمعة الجاية في النادي، وواخدة دعم نقدي من المعرض تلاتين ألف جنيه غير العربونات اللي لمتها من الأهالي، وقايلالهم إنها بتشغل أرامل ومطلقات في البيت وبيعملوا شغل بلدي درجة أولى عشان يدعموا الأسر المنتجة! يعني الست بتتاجر بيكي قدام الناس وبتاخد تبرعات ودعم فوق تمن البيع! ضحكت.. ضحكة طويلة لدرجة إن نهى سكتت مستغربة إنتي بتضحكي يا وسام؟! بضحك على غباء اللي فاكر نفسه ذكي.. اقفلي يا نهى، وأنا هبعتلك الفيديو بتاع الكاميرا تخليه معاكي كارت أخير، وبكرة الساعة تمانية الصبح تكون العربية النص نقل واقفة تحت العمارة.. وجهزيلي مخزن صغير عندك في الكيترينج. خرجت من الأوضة الساعة تمانية بليل. كان المطبخ عبارة عن ساحة حرب عالمية تانية. ريحة الخل المركز كانت واصلة للشارع، الأرضية ملزقة بمية الطماطم، والحاجة وفاء قاعدة على كرسي بلاستيك في النص، ماسكة ضهرها وبتئن، ولابسة كيس نايلون في رجلها عشان المية. ومازن نايم ع السجادة في الريسبشن برجليه المزرقة من الوقفة، مش قادر حتى يرفع راسه يبصلي. عملتوا إيه يا جماعة؟ ربنا يعينكم.. الأصول برضه غالية وبتتعب. الحاجة وفاء بصتلي بغيظ مدفون ورا تعب هالك خلصنا.. عبينا متين وسبعين برطمان، وعقمنا الغطيان، ورصيناهم في الكراتين جوة الطرقة.. بس قسماً بالله ما قادرة أصلب طولي، كأني كنت بشيل طوب في طاحونة. مازن تمتم من ع الأرض بصوت واهن أنا بكره المخلل.. وبكره الطماطم.. وبكره رمضان اللي هيجي وأنا متكسح كده.. اطلبيلي أي مسكن يا وسام، مش قادر أتنفس. سلامتك يا حبيبي.. ألف سلامة. قوم بس ادخل نام في سريرك، وماما تروح ترتاح في بيتها، وبكرة الصبح فرج ربنا قريب. ما صدقت حماتي سمعت جملة تروح ترتاح، وقامت اتسندت على الحيطة، واخدة شنطتها وماشية تجر في رجليها جرجرة، وهي بتأكد عليا الكراتين متتلمسش يا وسام.. بكرة العصر هيجي عمك محروس بالتروسيكل بتاعه ياخدهم يوديهم النادي عشان المعرض والتوزيع.. حسك عينك تلعبي فيهم ولا تفتحي برطمان. من العين دي للعين دي يا ماما.. ده شقاكي وتعبك، ومحدش يقدر ينكر فضلك. نزلت حماتي بالعافية، ومازن زحف لحد السرير ورمى نفسه بهدومه المزيتة وريحتها خل وشطة، ومفيش دقيقتين وكان بيشخر شخير يسمع الشارع كله. البنج الطبيعي بتاع التعب والمهانة هبطه تماماً. هنا بقى.. بدأ الشغل الصح. دخلت المطبخ بهدوء، لبست جوانتي مطاط تقيل، وبدأت أفرز البرطمانات. البرطمانات كانت معمولة كروتة، شغل ناس مجهدة وعايزة تخلص وخلاص، بس كان شكلها من برة يبان مليان ومحكوم. طلعت تليفوني وصورت الكراتين كلها صورة صورة، والعدد بالظبط، وكتبت كشف بالحسبة. الساعة سبعة الصبح، والجو لسه فيه نسمة برد ومازن غارق في سابع نومة من كتر الإجهاد العضلي، رن جرس تليفوني على الهزاز. نهى تحت، ومعاها العربية النص نقل واتنين رجالة من اللي شغالين معاها في الكيترينج، ومعاهم تروليات نقل كراتين خفيفة ومبتعملش صوت. نزلت فتحتلهم باب العمارة وباب الشقة بالراحة. خلال عشرين دقيقة بالظبط، كان المطبخ والطرقة ممسوحين على البلاط. متين وسبعين برطمان بكل كراتينهم اتسحبوا واتحملوا على العربية النص نقل، متغطيين بمشمع تقيل، وطاروا على مخزن نهى في الشيخ زايد. قعدت في الريسبشن، شغلت ماكينة القهوة، وعملت مج قهوة تركي مظبوط، وقعدت حاطة رجل على رجل، ومستنية الباشا يصحى. الساعة عشرة الصبح، مازن بدأ يتحرك في السرير ويزعق من الشد العضلي. طلع من الأوضة لابس التيشيرت مقلوب وشعره منكوش، وماشي متسند على الحيطان. صباح الخير يا وسام.. جهزيلي فطار خفيف كده عشان مش قادر، وأمي رنت بتقول هتجيب عم محروس بعد الضهر بدري عشان يلحقوا يودوا الح… وقف مازن في نص الطرقة متنح. فرك عينيه، وبص يمين وشمال. الطرقة فاضية.. بتلمع.. ريحة المعطر مغطية على ريحة الخل. دخل المطبخ زي المجنون، بص يمين وشمال، فتح الدواليب، بص تحت الرخامة.. مفيش قشرة لمونة حتى! طلع يجري في الصالة وهو ماسك دماغه وبيصرخ بهستيريا وسام!! الكراتين فين؟! الخضار فين؟! البرطمانات راحت فين يا وسام؟! خدت رشفة من القهوة بمنتهى البرود، وبصيتله بابتسامة هادية اتباعت يا حبيبي. مازن اتسمر مكانه، عروق رقبته نطرت لبرة، ووشه بقى أحمر زي الطماطم اللي كان بيسلقها امبارح اتباعت؟! اتباعت لمين وإزاي ومن غير ما نعرف؟! ده أوردر أمي! ده في تلاتين ألف جنيه دعم، والناس دافعة عربونات، إنتي اتجننتي؟! جرى إيه يا مازن؟ هو إنت نسيت كلامك ولا إيه؟ مش قولتلي اعمليها عشان البيت وشكلنا قدام الناس ومتبقيش مادية؟ أنا عملت بأصلك.. لقيت تاجر جملة معرفة نهى صاحبتي شال الليلة كلها كاش، وبسعر السوق، من غير فصال. وفين الفلوس؟! انطقي الفلوس فين؟! صرخ وهو بيقرب مني وعينيه بتطق شرار. شاورتله على الموبايل اللي محطوط ع الترابيزة الفلوس دخلت حسابي في البنك.. تمن الخامات اللي انتوا جبتوها، وتمن وقفتك وتعبك في المطبخ، ومكسب البرطمانات كلها.. أصل بصراحة كده، حسيت إن البيزنس ده لازم يفضل في البيت، والفلوس دي هتنفعنا لما نيجي نجدد العفش أو.. نشتري المحل اللي في التجمع، مش ده كان طموحك برضه؟ مازن وشه سقط، لونه بهت تماماً، وحس إن في حاجة غلط. الكلمة لمست وتر حساس جداً عنده محل إيه.. وتجمع إيه؟ إنتي بتقولي إيه؟ في اللحظة دي، جرس الباب رن رن متواصل كأن في حريقة. فتحت الباب، ودخلت الحاجة وفاء وهي لابسة عبايتها وخمارها ومعاها الراجل بتاع التروسيكل يلا يا مازن انزل شيل مع عمك محروس، الناس مستنيانا في النادي من الظهرية عشان يفرزوا ويست… سكتت لما شافت الصالة والمطبخ على البلاط، ومازن واقف ميت في جلده وعينيه مسبلة في الأرض. إيه ده؟ الحاجة فين؟ الحاجة وفاء سألت بصوت بيترجف من الصدمة. رديت وأنا قايمة أقف بكل طولي الحاجة في الحفظ والصون يا حماتي.. اتصرفت، وراحت لأصحاب نصيبها الحقيقيين. الحاجة وفاء سابت شنطتها تقع على الأرض، وصوتها طلع زي الصفارة يعني إيه اتصرفت؟! إنتي اتجننتي يا بت إنتي؟! ده شقايا وتعب ابني! ده أنا واخدة فلوس من الناس وممضية على شيكات وتعهد في الجمعية! إنتي هتوديني في داهية؟ أقسم بالله لأحبسك وأفضحك في عيلتك كلها وأخلي سيرتك على كل لسان! تفضحي مين يا حاجة وفاء؟ مسكت الريموت بتاع التليفزيون الكبير اللي في الصالة، وضغطت على زرار التشغيل. التليفزيون كان متوصل بواي فاي البيت، وشاشة الموبايل اتنقلت عليه مباشرة. الصوت طلع عالي وواضح، يملى الشقة اسمع بس وفكر بعقلك.. إحنا السنة دي بنعمل ال 300 برطمان دول بالعافية أهو، وهنسلمهم للناس باسمي وباسمك… والسنة الجاية إنت هتاخد منها كارت الفيزا وباسورد حساب البنك اللي أبوها كتبه باسمها قبل ما يموت، ونسحب منه تمن الخامات كلها مقدماً… ونشغل وسام تحت إيديهم بالسخرة، ونقولها ده مشروع العيلة الكبير.. والمكسب نشتريلك بيه المحل في التجمع! صوت مازن في التليفزيون وهو بيضحك بشر والله فكرة يا ماما.. وسام بتخاف على زعلنا وهتتكسف تقول لأ.. بس نعدي السنة دي الأول. الصالة بقت تلاجة. محروس بتاع التروسيكل اللي كان واقف على الباب بلع ريقه، وبص للحاجة وفاء بقرف، ورجع خطوتين لورا وقال أستأذن أنا بقى يا حاجة وفاء.. شكلها بيعة مش سالكة، ولف وشه ونزل ع السلم يجري. الحاجة وفاء كانت واقفة، بوقها مفتوح، عينيها مبرقة في الشاشة، وشها بيجيب ألوان أحمر في أزرق في أصفر، كأنها جالها شلل نصفي مفاجئ. بصت لابنها، ومازن بص في الأرض وبقى بيعرق بطريقة مرعبة، مش قادر يرفع عينه في عين أمه ولا في عيني. طفيت الشاشة بهدوء، وحطيت الريموت على الترابيزة. ها يا ست الكل؟ مين بقى اللي هيتفضح؟ ومين اللي سيرتها هتبقى على كل لسان لما الفيديو ده ينزل في جروب النادي، وجروب الجمعية الخيرية اللي انتي واخده منها دعم عشان الأرامل والمطلقات وبتشغلي مرات ابنك سخرة وتخططي لسرقتها؟ ومين اللي هيروح في داهية بتهمة النصب والاتفاق الجنائي لما يروح بلاغ رسمي للنيابة الصبح؟ الحاجة وفاء قعدت على أقرب كرسي ورجليها مش شايلاها، وحطت إيدها على قلبها يا وسام.. يا بنتي.. ده.. ده كان كلام في ساعة غضب وتعب، إحنا كنا بنفضفض، مازن مكنش يقصد، وأنا كنت بهزر معاه عشان أشجعه يشتغل! بتهزري في شقى أبويا اللي مات في المصانع يا وفاء؟! صوتي طلع حاد وقاطع كالسيف، ولأول مرة أناديها باسمها حاف من غير ألقاب، بتهزري في كرامتي وشقايا وتستغفليني في بيتي وتقوليلي الأصول وعوايد العيلة عشان تكسروا مناخيري وتسرقوني عيني عينك؟! مازن قرب مني وهو بيبكي بدموع حقيقية، المرة دي من الرعب والخوف من الفضيحة والسجن وسام.. وحياة أغلى حاجة عندك، اسمعيني بس.. أنا كنت غبي، أمي هي اللي سخنتني وأنا كنت تعبان ومشتت، والله العظيم ما كنت هعمل كده، إنتي مراتي وحبيبتي وشريكة حياتي! زقيته بعيد عني بقرف حقيقي، حسيت إني شامة فيه ريحة العفن مراتك وحبيبتك اللي كنت مستني موسم رمضان الجاي عشان تنصب عليها وتاخد شقا أبوها وتوقف نسوان عيلتك يعلموا عليها في بيتها؟! اسمع يا مازن.. اسمعي يا حاجة وفاء.. عشان الكلام ده ملوش إعادة، ومفيهوش فصال. وقفت في نص الصالة، طلعت كارتين حطيتهم على الترابيزة الكراتين كلها موجودة في مخزن أمان. تمن البضاعة اللي اشتريتوها من سوق العبور، أنا خصمت منه تمن الأيام السودة وتعب الأعصاب والإهانة، والباقي بعته على حسابك يا مازن عشان تسد بيه عجزك قدام الجمعية وقدام الناس اللي واخد منهم عربونات.. يعني مالكمش عندي مليم واحد يمسكوا بيه عليا خيانة أمانة. مازن بص للكارت ورجع بصلي برعب طب.. والطلاق؟ إنتي هتعملي إيه؟ الطلاق ده أمر مفروغ منه، بس بشروطي أنا.. نصيبك في الشقة دي هتعملي بيه تنازل رسمي بكرة الصبح في الشهر العقاري، قصاد إني أمسح الفيديو ده من على النت وموصلوش لمدام سوسن ولا لإدارتك في الشركة اللي إنت شغال فيها.. تديني الشقة كاملة وتطلع بهدومك، وتطلقني بهدوء وبكامل حقوقي الشرعية في المؤخر والنفقة، يا إما عليا وعلى أعدائي الفيديو هينزل لايف، وبلاغ النصب هيتقدم، والشركة بتاعتك أول حد هيشوف أمانة المهندس المحترم اللي شغال عندهم وبيخطط يسرق مراته! الحاجة وفاء صرخت الشقة؟! ده دافع فيها دم قلبه وقرض بياكل في مرتبه! رديت عليها بنظرة خلتها تكش في مكانها ودم قلبك انتي وابنك رخيص قصاد كرامتي وشقى أبويا.. قدامكم لحد بكرة الساعة اتناشر الظهر. لو ورقة التنازل وإشهار الطلاق مكنوش على الترابيزة دي، هتلاقوا الفضايح في كل تليفون في مصر، والنيابة هي اللي هتحكم بينا على ال 300 برطمان اللي بعتوهم من الهوا، وال 1000 برطمان اللي كنتوا بتخططولهم السنة الجاية! شاورت على باب الشقة المفتوح ودلوقتي.. اتفضلوا برة بيتي. مش عايزة أشوف وش حد فيكم هنا لحد بكرة في الشهر العقاري. الحاجة وفاء قامت تجر في عبايتها وعينيها مكسورة في الأرض، مفيهاش ذرة من جبروت امبارح ولا نبرة ستات عيلتنا وعوايدنا. ومازن مشي وراها مطأطأ الراس، كأنه عيل صغير اتقفش بيسرق من حصالة أمه، ومقدرش حتى ينطق بكلمة واحدة يدافع بيها عن نفسه. أول ما الباب اتقفل وراهم بالمفتاح، سندت ضهري على الباب.. وغمضت عيني. حسيت بحمل جبل كامل انزاح من على صدري. تاني يوم، الساعة حداشر ونص الصبح، كنت خارجة من مصلحة الشهر العقاري في أكتوبر، وفي إيدي توكيل التنازل الرسمي عن كامل الشقة، وورقة طلاقي موقعة ومختومة بختم النسر وموثقة عند المأذون. مازن كان واقف بعيد على الرصيف، شاحب ومكسور ومتبهدل، مش قادر يبص في عيني، وأمه كانت قاعدة في تاكسي مستنياه وهي حاطة وشها في الإسدال عشان محدش يعرفها. ركبت عربيتي، وشغلت التكييف، واتصلت بنهى خلصت يا نهى.. الشقة بقت ملكي خالص، والورق كله تمام. نهى ضحكت في التليفون بفرحة هزت السماعة الله أكبر عليكي يا بنت الأصول! ده المعلم محروس والناس في المعرض قالبين الدنيا على وفاء وابنها عشان رجعوا الفلوس مخصوم منها ومكسورين العين.. المهم، ال 270 برطمان اللي في المخزن هنعمل فيهم إيه؟ بصيت للسما الصافية، وافتكرت إن رمضان خلاص على الأبواب، ومفاضلش غير أسبوعين والشهر الفضيل يهل بخيره البرطمانات دي يا نهى هتتغلف شيك، وهنطبع عليها استيكر مكتوب عليه إطعام لوجه الله عن روح الحاج رضوان.. وهنوزعهم على كل دار أيتام وبيت محتاج في المنطقة عشان رمضان وسحورهم.. الخير ده كان معمول بنية أذيتي، وإحنا هنخليه خير بجد ينور قبر أبويا، ويباركلي في اللي جاي. قفلت السكة، ودورت العربية ومشيت في طريقي. كنت زمان فاكرة إن الأصول إنك تضحي وتستحمل وتطاطي عشان المركب تمشي وشكلنا قدام الناس يفضل حلو. بس اتعلمت إن اللي يفرط في كرامته وحقه عشان يرضي ناس ميعرفوش ربنا، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه متجرد من كل حاجة.. حتى احترامه لنفسه. رمضان السنة دي كان داخل عليا وأنا لوحدي في بيتي، بس لأول مرة من سنين طويلة، كنت حاسة بنظافة في قلبي، وراحة في بالي، وطعم حرية ميتعوضش بكل برطمانات الدنيا.