رجعت من السفر زهرة الربيع ٤
الحزء السابع:
التفتت الرؤوس كلها ناحية الباب اللي اتفتح بعنف، ووقعت عيني على الشخص اللي داخل وهو ساند على دراع عسكري شرطة، ورأسه ملفوفة بشاش أبيض، وجسمه كله كدمات وجروح.. مكنش حد غريب، ده كان الأستاذ “توفيق” المدير المالي بنفسه!
توفيق مكنش في غيبوبة كاملة زي ما شريف وطارق افتكروا، أو يمكن فاق في اللحظات الأخيرة لما حس إن حياته وحياة عيلته في خطر. دخل القاعة وهو بيتنفث بصعوبة، وبص لشريف وطارق بنظرة مليانة غل وكراهية وهتف بصوت مبحوح هز أركان القاعة: “سيادة المستشار.. المتهمين دول هما اللي حاولوا يقتلوني! شريف هو اللي دبر حادثة العربية بتاعتي على المحور لما عرف إني جاي النيابة أقدم المستندات اللي بتبرأ سليم، وطارق هو اللي بعت طليقة سليم المستشفى عشان تسرق الشنطة السوداء اللي فيها أصول الشيكات والتحويلات البنكية المضروبة!”.
الهمهمات والصرخات علت في القاعة، وشريف حس إن حبل المشنقة بيقرب من رقبته، اتقلب وبص لطارق وزعق بجنون: “أنت اللي ضيعتنا يا طارق! أنت اللي قولتلي إنك مأمن كل حاجة وإن توفيق مش هيقوم منها! أنت اللي جريت ورا نادين وضيعت الشغل والشركة وفلوس سويسرا عشان شهوتك وغبائك!”.
طارق وشه جاب ألوان، وبقى بيلتفت حوالين نفسه زي الفار المحبوس في مصيدة، وصرخ في شريف: “أنا ماليش دعوة بحادثة توفيق! أنت اللي قولتلي هخلصه بمعرفتي! أنا كان كل همي نادين والولد، أنت اللي طمعت في حصة سليم وسحلتني معاك في تزوير عقود العاصمة الإدارية!”.
هبد القاضي بالشاكوش ميت هبدة وهو بيزعق: “سكوت!! سكوت في القاعة وإلا هحميكم كلكم بازدراء المحكمة!”. سكت الكل كأن على رؤوسهم الطير، وبص القاضي لرامي ورجال المباحث وقال بحزم: “يتحفظ الأمن حالا على المدعو شريف والمدعو طارق داخل القاعة.. وتُحال القض..ية برمتها من محكمة جنح اقتصادية إلى النيابة العامة لإعادة تكييفها كجناية تزوير في أوراق رسمية، واختلاس أموال عامة، وشروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد!”.
في اللحظة دي، نزل اتنين من أمناء الشرطة، وكلبشوا إيد شريف وطارق مع بعض. شريف وهو بيتحرك والكلابشات في إيده، بصلي بنظرة كلها شر وشماتة مريضة وقال بصوت واطي ومسموع ليا بس: “فاكر نفسك كسبت يا سليم؟ أنت برضه خسرت.. خسرت نادين، وخسرت ابنك اللي بيكرهك، والشنطة دي فيها أوراق تدين نادين كمان بالاشتراك والتزوير.. يعني لو أنا دخلت السجن، أم ابنك هتدخل معايا، وعمر هيعيش يتيم الأب والأم!”.
خرجوا بيهم برة القاعة وأنا واقف في مكاني مشلول. المستندات اللي في الشنطة السوداء اللي رجعتلي كرامتي وشقا عمري، هي نفسها اللي ممكن ترمي نادين في السجن بتهمة التستر والاشتراك في غسيل الأموال من خلال البوتيك بتاعها!
خرجت وراهم لساحة المحكمة الخارجية وأنا دماغي بتغلي. شفت نادين واقفة بعيد، سانده على عربيتها وبتبكي بحرقة وهي شايفة طارق وشريف متبهدلين وداخلين بوكس الشرطة. أول ما عيني جت في عينها، جريت عليا والدموع مغرقة وشها، وقفت قدامي وهي بترتعش وقالت بصوت مكسور: “سليم.. أرجوك.. أنا عارفة إني غلطت وعارفة إن طمع طارق وغبائي هما اللي وصلونا لهنا.. بس عشان خاطر عمر.. بلاش تقدم الورق اللي يخص المحل.. شريف كاتب كل حاجة باسمي في عقود التمويل.. لو الورق ده دخل النيابة أنا هتحبس.. وابننا مش هيبقى ليه حد في الدنيا!”.
بصيت لها ونار الندم والانتقام بتاكل في قلبي. الغرور القديم كان بيقولي: “سبيها تتسجن وخذي ابنك وعيشي حياتك”، بس ملامح “عمر” الصغير وهو مستخبي ورا جدته وباصصلي بخوف ظهرت قدام عيني. أنا السبب في كل ده.. قسوتي هي اللي فتحت الباب للشياطين دول يدخلوا بيتي ويدمروا حياتنا.
قولت لها ببرود قاتل: “الورق مع رامي في مباحث الأموال العامة يا نادين.. ومبقاش بإيدي أغير حاجة في مسار القض..ية.. شريف وطارق هيعترفوا عليكي عشان يسحبوكي معاهم”.
نادين وقعت على الأرض من الصدمة وهي بتصرخ باسم ابننا. سيبتها وركبت عربيتي وسوقت وأنا مش شايف قدامي.. رحت علطول على بيت حماتي السابقة. طلعت السلم وضغطت على الجرس.. فتحتلي حماتي وهي مرعوبة بعد ما عرفت باللي حصل في المستشفى والمحكمة.
دخلت الصالة.. ولقيت “عمر” قاعد على الكنبة، ضامم رجليه لصدره وبعينيه لمعة دموع مكسورة. قربت منه براحة، وقعدت على ركبي قدامه عشان أكون في نفس مستواه.. ولأول مرة من سنتين، مديت إيدي ولمست شعره بحنان حقيقي وقولتله: “عمر.. أنا بابا.. متخافش مني يا حبيبي.. أنا مش جاي أخدك غصب عنك.. أنا جاي أحميك”.
الولد بص في عيني طويلًا، وكأنه كان بيدور على الأب القاسي اللي سابه وسافر، فلقى راجل تاني مكسور بس مليان حب ونبرة رجاء. وفجأة، الباب اتفتح ودخل “رامي” ومعه اتنين عساكر، وبصلي بنظرة خطيرة وقالي: “سليم.. اجهز حالا.. شريف وطارق اعترفوا في النيابة بكل حاجة.. بس المفاجأة إن شريف قدم مستند جديد خالص مكنش في الشنطة.. مستند يقلب القض..ية عليك أنت تاني ويغير صفتك من مجني عليه لمتهم أول في كارثة تانية خالص ملهاش علاقة بالفلوس!”.
الحزء الثامن وقبل الأخير:
وقفت مكاني وجسمي كله تِلج، شيلت إيدي من على شعر عمر وبصيت لرامي بذهول. النبرة اللي اتكلم بيها مكنتش نبرة صاحبي اللي لسه منقذني من ساعة في المحكمة، دي كانت نبرة ضابط بينفذ أمر حتمي.
حماتي صرخت وخدت عمر في حضنها وهي بتبكي، وأنا قُمت وقفت براحة وقولت لرامي بصوت يادوب طالع: “مستند إيه يا رامي؟ وكارثة إيه اللي ملهاش علاقة بالفلوس؟ أنا لسه خارج من المحكمة وبريء بقوة الورق اللي كان في الشنطة!”.
رامي أخد نفس طويل، وشاور للعساكر يستنوا برا، وقفل الباب وقرب مني وقال بصوت واطي ومليان أسف: “شريف لما لقى حبل المشنقة بيلف حوالين رقبته في قض..ية التزوير والشروع في قتل توفيق، قرر يرمي كارت حرقك وحرق نفسه معاه يا سليم.. شريف قدم للنيابة أصول تقارير السلامة الإنشائية والرسومات الهندسية الخاصة بـ ‘برج الياسمين’ اللي شركتكم بنته في التجمع الخامس من سنتين.. قبل ما تسافر بكام شهر!”.
حسيت كأن سقف الأوضة وقع فوق راسي، وقولت برعب: “ماله برج الياسمين؟ ده اتسلم والسكان سكنوا فيه ومفيش فيه أي مشكلة!”.
رامي بص في عيني وقال بجدية قاتلة: “البرج حصل فيه هبوط مفاجئ وتصدع خطير من ست ساعات بسبب زلزال خفيف ضرب القاهرة الفجر، والحي أصدر قرار إخلاء جبري للسكان حالا لأنه مهدد بالانهيار في أي لحظة! شريف قدم مستندات بتثبت إنك أنت بصفتك المهندس المصمم والمشرف على التنفيذ، مضيت على تقارير بتفيد باستخدام حديد تسليح وأسمنت بمواصفات معينة، في حين إن المواد اللي استخدمت فعلياً كانت مغشوشة وأقل من المواصفات بـ 40% لتوفير التكلفة.. وشريف قدم شيكات وإيصالات بتثبت إن فرق الفلوس ده دخل حسابك أنت برة مصر قبل ما تسافر بأسبوع!”.
صرخت بجنون وسط الصالة: “تزوووير! والله العظيم تزوير! شريف هو اللي كان بيشتري المواد وهو المسؤول عن التنفيذ أنا كنت بحط التصميم وبس! والفلوس اللي دخلت حسابي برة دي كانت أرباحي من مشروع تاني خالص!”.
رامي حط إيده على كتفي وقال بحزن: “أنا مصدقك يا سليم.. بس الورق الرسمي بيقول إن إمضاءك وختمك الهندسي على كل تقرير استلام للمواد دي.. والنيابة أصدرت حالا أمر ضبط وإحضار ليك بصفتك المتهم الأول في قض..ية ‘الغش الإنشائي وتعريض حياة المواطنين للخطر’.. ودي جناية عقوبتها الأشغال الشاقة لو البرج وقع أو حصلت وفيات!”.
في اللحظة دي، انهار كل شيء جوايا. الغرور، الكبرياء، الفلوس، والشركة.. كل اللي جريت وراه وسحلت نفسي فيه بقالي سنتين طلع فخ كبير منصوبلي بعناية من البداية. شريف مكنش عايز يسرقني وبس، شريف كان مجهز كارت إعدامي هندسياً وقانونياً من قبل ما أمشي، عشان لو فكرت في يوم أرجع أو أحاسبه، يرميني ورا الشمس.
التفتت ورايا.. لقيت الباب اتفتح ودخلت نادين ووشها ضايع ومخطوف، باين إنها عرفت بالخبر وهي جاية ورايا. بصتلي ونظرة الشماتة اللي كنت خايف منها مكنتش موجودة.. كان في عينيها رعب حقيقي عليا.. أو يمكن على أبو ابنها اللي ملامحه بتتلاشى قدامها.
قربت مني وبصت لرامي وقالت بلهفة: “طب والحل؟ سليم ملوش ذنب.. سليم قاسي وأناني ونرجسي بس عمره ما يغش في أرواح الناس! أنا عشت معاه وعارفة إنه في شغله كان بيتقي الله ومبيقبلش الغلط.. شريف هو اللي كان بيقعد مع المقاولين وبتوع مواد البناء.. أرجوك يا رامي اعمل حاجة!”.
شهادتها في حقي في اللحظة دي كانت زي البلسم على جرح ينزف، بصيت لها وعيني مليانة دموع وقولت: “شكراً يا نادين.. كتر خيرك إنك لسه فاكرالي حاجة نضيفة وسط كل السواد ده”.
رامي بص لساعته وقال: “سليم.. أنا مقدرش أعطل أمر النيابة أكتر من كده، العساكر واقفين برا.. أنت لازم تسلم نفسك حالا، بس قبل ما نمشي.. فيه ثغرة واحدة ممكن تنقذك في التحقيق بكرا وتكشف التزوير في الختم والإمضاء”.
سألته بلهفة: “إيه هي؟”.
قال لي: “دفاتر الموقع القديمة.. الدفاتر اليومية اللي بيمضي عليها مهندس الموقع المقيم (المهندس الصغير اللي كان شغال تحت إيدك).. الدفاتر دي شريف مخبيها عشان فيها الفواتير الحقيقية بأسماء شركات التوريد المغشوشة اللي اتعامل معاها من ورا ضهرك.. لو الدفاتر دي ظهرت، هتنفي عنك تهمة العلم والغش تماماً.. بس الدفاتر دي مش في الشركة، وشريف اعترف لطارق قبل كده إنه شايلها في مكان سري ميعرفوش غيره”.
نادين برقت عينيها وفجأة صرخت: “أنا عارفة المكان!!”.
كلنا بصينا ليها بذهول، فكملت وهي بترتعش: “طارق من ست شهور، في لحظة سُكر وكلام من غير وعي، قالي إن شريف مأمن نفسه بدفاتر قديمة وحاططها في ‘خزنة سرية’ جوه شاليه عيلتهم القديم المهجور في رأس البر.. طارق قالي وقتها ‘الدفاتر دي هي رقبة شريف وسليم مع بعض لو حصلت مشكلة في مباني الشركة’!”.
الأمل رجع يدق في صدري زي الطبول. بصيت لرامي، فرامي هز رأسه وقال: “سليم.. أنت هتمشي معايا حالا على النيابة، وأنا هثبت في المحضر إنك متعاون وسلمت نفسك.. وفي نفس الوقت، هبعت قوة سرية حالا من مباحث الأموال العامة تفتش الشاليه ده بناءً على أقوال نادين اللي هنثبتها في التحقيق كشاهدة عيان.. لو الدفاتر دي جت قبل ما البرج ينهار أو قبل ما النيابة تحيل القض..ية للمحكمة.. أنت هتطلع منها براءة.. وشريف هيتلف حبل الإعدام حوالين رقبته!”.
نزلت على ركبي تاني قدام عمر، الولد كان بيبكي وباصصلي، مديت إيدي ومسحت دموعه وقولتله: “ادعيلي يا عمر.. ادعي لـ بابا.. أنا راجعلك يا حبيبي، راجع عشان أصلح كل حاجة”.
قُمت وقفت، وبصيت لنادين وقولت لها: “سامحيني يا نادين.. على كل يوم ضيعته من عمرك في قسوة وبرود.. أنا اللي فتحت الباب للشياطين دول يدخلوا حياتنا”.
نادين بكت وهزت رأسها وقالت: “ارجع بالسلامة يا سليم.. عشان خاطر ابنك”.
مشيت مع رامي، وخرجت من الشقة والكلابشات في إيدي.. نزلت السلم وأنا حاسس إن الحمل اللي على ضهري اتهد، مكنتش خايف من السجن، كنت حاسس إن ده التكفير الشرعي عن غباوتي وغروري.
دخلت الحجز في قسم الشرطة، وقعدت في الضلمة أستنى الصبح عشان أتعرض على النيابة.. الوقت كان بيمر كأنه دهر.. وكل دقيقة بتعدي كنت بدعي فيها إن الشاليه ميكونش فاضي، وإن البرج ميقعش على السكان.
لما الشمس طلعت، أخدوني في ميكروباص الترحيلات على النيابة.. دخلت مكتب وكيل النيابة وأنا متبهدل وتعبان.. وقفت قدام المكتب، ووكيل النيابة كان بيبص في الورق ببرود وصمت قاتل.. وفجأة، تليفون المكتب رن.. وكيل النيابة رفع السماعة، وسمع الكلام وملامح وشه بدأت تتغير وتتحول لذهول تام.. بصلي بنظرة غريبة وقفل السماعة.. وقام وقف وفتح درج مكتبه وطلع ورقة وقالي الكلمة اللي هزت كياني كله وفتحت الباب للجزء الأخير من الكابوس ده!
الحزء التاسع والأخير (الحكمة):
وكيل النيابة حط السماعة ببطء، وبصلي بنظرة ممزوجة بالدهشة والجدية، وقال بصوت حاسم: “البلاغ اللي لسة جاي حالاً من موقع برج الياسمين بيقول إن البرج انهار تماماً من نص ساعة!”.
حسيت كأن قلبي وقف، وركبي سابت ومقدرتش أقف. البرج انهار! أرواح الناس، السكان، العائلات! وقبل ما أصرخ أو أنطق، كمل وكيل النيابة وكأنه بيقرأ أفكاري: “لكن العناية الإلهية أنقذت الجميع.. الإخلاء الجبري اللي تم الفجر مخلّاش بني آدم واحد جوه المبنى وقت الانهيار، الخسائر مادية وبس.. والأهم من ده، إن العقيد رامي لسة مكلمني من دقيقة.. القوة وصلت لشاليه رأس البر، وفتحت الخزنة السرية، وحالياً دفاتر الموقع الأصلية وفواتير الحديد المغشوش باسم شريف وشركات التوريد التابعة ليه في حوزة النيابة!”.
أخدت نفس طويل جداً، وحسيت كأن روحي اللي كانت بتتسحب رجعتلي تاني. دموعي نزلت مش خوف، دي كانت دموع شكر لربنا اللي أنقذني من ذنب أرواح ناس ملهاش ذنب، وأنقذني من فخ الشيطان اللي كنت فاكره أخويا.
وكيل النيابة أمر بفك الكلبشات فوراً، وبصلي وقال: “بناءً على الدفاتر الحقيقية وتقرير الإدارة الهندسية اللي أثبت تزوير ختمك وإمضاءك، صفتك في القض..ية دي اتغيرت رسمياً من متهم لمجني عليه وشاهد إثبات.. شريف وطارق هيتحاكموا بجناية الغش التجاري والإنشائي المتسبب في انهيار مبنى، ودي عقوبتها هتوصل للمؤبد، ده غير قضايا التزوير والشروع في قتل الأستاذ توفيق.. أنت حر يا باشمهندس سليم.. تقدر تتفضل”.
خرجت من مبنى النيابة، والشمس كانت مالية المكان، بس المرة دي كانت شمس دافية بتنور طريق جديد. لقيت رامي مستنيني برا، حضنته بكل قوتي وأنا بشكره، فقال لي وهو بيتبسم: “ماتشكرنيش أنا يا سليم.. اشكر نادين.. الست دي هي اللي أنقذت رقبتك في آخر لحظة بمفتاح الخزنة”.
ركبت عربيتي ورحت علطول على بيت حماتي السابقة. طلعت السلم وأنا كلي لهفة.. خبطت على الباب، فتحتلي نادين. أول ما شافتني من غير كلبشات والابتسامة على وشي، دموعها نزلت وعرفت إن الكابوس انتهى.
دخلت الصالة، ولقيت عمر واقف بيبصلي وتردد.. المرة دي مقعدتش على ركبي، أنا جريت عليه وأخدته في حضني ورفعته لفوق، والولد لأول مرة يضم إيديه الصغيرة حوالين رقبتي ويقولي: “حمد الله على السلامة يا بابا”. في اللحظة دي بس، حسيت إن الدنيا رجعتلي، وإن ده أكبر انتصار وأغلى نجاح حققته في حياتي، نجاح ملوش علاقة بفلوس ولا شركات بره مصر.
قعدت مع نادين بعد ما الولد دخل أوضته يلعب، وبصيت ليها وقولت بمنتهى الصدق: “أنا مملكش كلام يوفيكي حقك يا نادين.. إنتي أنقذتي حياتي وشرفي، في الوقت اللي أنا كنت فيه بني آدم قاسي ودمرت بيتك.. أنا مش هطلب منك نرجع، لأن الكسر اللي أنا عملته زمان كبير، وأنا محتاج وقت طويل عشان أثبتلك إني اتغيرت وبقيت بني آدم يستحقك.. بس اللي أقدر أوعدك بيه، إن من النهارة، أنا وعمر وإنتي عيلة، ومحدش هيقدر يقف بينك وبين ابنك طول ما أنا عايش.. والمحل بتاعك أنا هشتري أصوله بالكامل من النيابة بعد ما يتفك التحفظ عليه، وهيبقا باسمك إنتي وبس، من شقا عمري الحلال”.
نادين ابتسمت ابتسامة هادية، لمعة عينيها القديمة رجعت، وقالت: “كفاية عندي إن عمر رجع له أب يحميه بجد يا سليم.. والـتغيير بيبدأ بخطوة.. وإحنا مع بعض عشان خاطر عمر”.
### 💡 الحكمة من القصة:
> **”لا تترك مكانك فارغاً، فالدنيا لا تطبق الحظر على الأماكن الشاغرة؛ إن لم تملأ مكانك بالحب، والرعاية، والأمان، سيأتي غيرك ليملأه.. وقد يكون البديل شيطاناً في ثوب صديق.”**
>
قسوة سليم وإهماله وغروره هما اللي فتحوا الباب لشريف وطارق عشان يدخلوا حياته ويدمروها. الفلوس والنجاح المادي ملهومش أي طعم لو كان تمنهم خسارة البيوت الدافئة والقلوب الصادقة. الأمان الحقيقي مش في الحسابات البنكية، الأمان في إنك تتقي الله في النعمة اللي في إيدك قبل ما تزول وتصحي على ندم مبيصلحش اللي انكسر.
