نقص مناعة زهرة الربيع ٣
صوت الإنذار اللي كان قالِب المستشفى بدأ يهدى بالتدريج، وصوت جهاز النبض بقى يدق دقات بطيئة بس منتظمة، معلنة إن قلب أحمد رجع يضخ الـ،،دَم تاني، كأن روحه كانت بترفض تفارق الدنيا قبل ما تخلص الحسابات المفتوحة. الدكتور خرج من أوضة الرعاية وشه غرقان عرق، سحب كمامته وبص لوكيل النيابة وقال بنبرة مجهدة: “رجع، بس استجابته ضعيفة جداً… إحنا شلنا أنبوبة التنفس الحنجري مؤقتاً عشان نشوف التنفس التلقائي، والولد بيتمتم بكلام مش مفهوم وواعي للحظات بسيطة، لو النيابة عايزة تسأله سؤال واحد يحدد مسار التحقيق قبل ما يغيب عن الوعي تاني، يبقى دلوقتي فوراً، وممنوع أكتر من شخصين يدخلوا.”
وكيل النيابة شاور للظابط ومعاه السكرتير اللي ماسك الدفتر، وشدني معاه وهو ماسك في الكلابشات وقال بحزم: “إنتي هتدخلي معاي عشان يواجهك، ولو ثبت إنه اتـ،،سَـ،،م بإيدك مش هترحمي من حبل المـ،،شـ،،نـ،،قـ،،ة.” وفي نفس الوقت، هنا بصت لأبوها برعب حقيقي، وشفايفها كانت بتترعش، وقالت بصوت طالع بالعافية: “يا فندم، أنا لازم أدخل معاه… أنا مراته والمجني عليها ولازم أكون موجودة!”
دخلنا أوضة العناية، وريحة الأدوية والبنج كانت بتخنق الأنفاس. أحمد كان نايم على السرير، وشه شاحب زي القطن، شفايفه مشققة وبيضا، وعينيه كانت نص مفتوحة وزايغة في السقف.
أول ما سمع صوت الباب بيتفتح، حرك راسه ببطء شديد جداً كأنها بتوزن أطنان، وعينيه التقت في عيني. صرخت ودموعي غطت وشي، ورميت نفسي عند رجل السرير: “أحمد! يا بني، انطق برأ أمك… قولهم أنا أمك اللي ربيتك، عمري ما أذيك ولا أحطلك سـ،،م، قولهم مين اللي جاب العصير والـ،،سـ،،م يا ضنايا!”
أمين الشرطة شدني لورا بعنف، ووكيل النيابة قرب من ودن أحمد، ووطى صوته وسأله بوضوح وهدوء: “أحمد… سامعني؟ معاك رئيس النيابة. مين اللي حطلك الـ،،سـ،،م في العصير؟ هل والدتك هي اللي جابته الصبح في الصينية؟”
أحمد حرك شفايفه بصعوبة بالغة، كان بيطلع أنفاس متقطعة، وعينيه اتحولت ببطء شديد وراحت تستقر على “هنا” اللي كانت واقفة على الكرسي المتحرك ورا وكيل النيابة، إيديها بتفرك في بعض وعينيها مبرقة بخوف قاتل. أحمد بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح واطي بس كان واضح ومسموع لكل اللي في الأوضة: “أمي… أمي مـ،،جـ،،ر،،مـ،،ه عشان علمتني الـ،،خـ،،يـ،،انـ،،ه… بس… بس الـ،،سـ،،م مش بتاعها…”

